هنا بغداد| نساء العراق.. وجوه جديدة تخوض الانتخابات: تحديات كبيرة في أول تصويت بعد "داعش"

 
 
 
دخلت المرأة المعترك السياسي في العراق بشكل أكبر في عام 2005، وذلك في أوّل انتخابات برلمانية بعد الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003. في ذلك الوقت، فُرض على المرأة المشاركة في الانتخابات، على أن تكون حصّتها 25 في المائة من المقاعد النيابية، بحسب وكالة أخبار المرأة.
 
ولم تختلف توجّهات النساء اللّواتي ترشحن للنيابة وفزن في مقاعد عن نظرائهن من الرجال لناحية التوجهات، إذ انقسمن بين تيارات دينية وأخرى مدنية، وبين نساء متشددات وأخريات أكثر انفتاحاً. وكحال النواب الرجال أيضاً، واجهت نائبات اتهامات بالفساد.
 
وخلال الانتخابات النيابية الثلاث الماضية، ارتفع عدد النساء اللواتي رشّحن أنفسهن، وقد اشتهرت بينهن كثيرات. وفي وقت ترشّحت نساء ضمن قوائم تعود لأحزاب وشخصيات معروفة، أسست أخريات أحزاباً وخضن الانتخابات ضمن قوائم ترأسنها. الانتخابات التي تنطلق في مايو المقبل ستشهد وجوهاً نسوية جديدة، تخوض غمار المنافسة للفوز بمقعد في البرلمان، علماً أنّ برامجهن الانتخابية تتشابه إلى حدّ ما، وتعد بتوفير الخدمات الضرورية التي يفتقد إليها المجتمع.
 
هبة طارق حسين العيساوي، التي ترشّح نفسها لأول مرة في الانتخابات النيابية، تدرك أنّها تنافس مئات آخرين للفوز بمقعد نيابي عن محافظة بابل (100 كلم جنوب بغداد)، لكنّها تعتقد أنها ستكون قريبة من الفوز، كونها تملك قاعدة شعبية مؤيّدة، نظراً لمهنتها كمدرسة، وعملها التطوعي ضمن منظمات المجتمع المدني.
 
خلال حديثها، تشير إلى أسباب عدة دفعتها إلى الترشّح، أهمّها "البيئة والوسط الذي نعيش فيه، وما نعانيه من قلة دعم وخدمات على مختلف الأصعدة". كما تتحدّث العيساوي عن "مشاكل مجتمعيّة أفرزها الاضطراب الذي يمر به البلد وعدم الاستقرار". وتقول إنّها تجد نفسها قوية لتمثّل صوت هذه الفئات، والعمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب لصالحها.
 
وشهد العراقيون ثلاث دورات نيابية، وباتوا يعتقدون أن السياسيين فاسدين، نتيجة لما يعانونه من مشاكل اجتماعية واقتصادية تتفاقم في وقت ينجو السياسيون منها، فضلاً عن اعترافات نواب عبر وسائل الإعلام بأنهم فاسدون، وتهديدات بنشر فضائح الفساد بعضهم عن بعض.
 
هذه السمعة باتت تؤثّر حتّى على السياسيين الذين لم تلحق بهم أية فضائح وعُرفوا بعدم فسادهم، ما يمنع شخصيات مجتمعية معروفة من الترشح للانتخابات النيابية. لكن المرشحة هبة العيساوي، تتحدث بثقة مطلقة، وهي تشير إلى الداعمين لها من داخل محيطها في بابل، مضيفة: "الناس تتكلم على من أساء إليها وأخلف وعوده، ومن استهان بمصلحة المواطن وجعل مصلحته الشخصية هي الأهم".
 
التنافس للفوز بمقعد نيابي يكون أحد أسبابه طرح المرشح لبرنامج انتخابي يقنع الناخبين. وبعد ثلاث دورات نيابية، طرح المرشحون برامج أصبحت في نظر كثيرين بلا قيمة، وليس سهلاً أن يأتي مرشح بجديد. أما المرشحة العيساوي، فتقول إنّ "الفرق في البرامج الانتخابية يتعلق بصدق النوايا والعمل"، مشيرة إلى أنه "من السهل اكتشاف تشابه البرامج الانتخابية للمرشحين. لكن القول الفصل هو للمصداقية". في برنامجها الانتخابي، تضع العيساوي الأولوية "لإيجاد فرص عمل مناسبة لأكبر عدد ممكن من الشباب العاطلين من العمل، والسعي إلى توفير الخدمات الرئيسية كالصحة والتعليم وتشكيل لجان تراقب الأدوية والبضائع في الأسواق.
 
هنا، أتكلم عن محافظتي بشكل عام والمناطق الداعمة لي بشكل خاص". تضيف: "برنامجي يشمل أيضاً خطة لرفع العقبات التي تعيق القطاعات الاقتصادية، أهمها الزراعة والصناعة، فضلاً عن خطط تتعلق بالاهتمام بالمرأة والطفل وكبار السن. وفي جعبتنا الكثير مما يصب في خدمة المواطنين، ليس فقط في مدينتنا بابل بل في العراق بصورة عامة".
 
وتوضح العيساوي أنها تعتمد في كسب الأصوات على ركيزتين؛ الأولى هي الشخصيات التي تضمها القائمة التي تنتمي إليها، إذ تقول إنها بعيدة عن الانتماءات الفئوية والطائفية. أما الركيزة الثانية، فهي سمعتها في محافظتها وجماهير تقف خلفها من الأصدقاء والأقارب، لافتة إلى وجود "عدد كبير من أبناء محافظتي الذين وضعوا ثقتهم المطلقة بنا ووعدونا بمنح أصواتهم، وحملونا شرف المسؤولية".
 
إلى ذلك، تُطلق نائبات حملات إعلامية مكثّفة، ويظهرن في تصريحات ولقاءات على مواقع إعلامية إلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها. وفي ظل وجودهن فترة طويلة تحت قبة البرلمان، تمكنّ من صناعة جمهور يساعدهن في الفوز بدورة أخرى، ما يصعب المنافسة على المرشحات اللواتي يخضن المنافسة للمرة الأولى. لكن هذا لا ينطبق على من يملكن قاعدة جماهيرية، وإن كنّ يخضن الانتخابات للمرة الأولى، بحسب هناء عبدالكريم حسن البياتي، التي تُرشح نفسها لخوض الانتخابات عن محافظة كركوك (250 كلم شمال بغداد). تقول إنها تملك رصيداً جماهيرياً كبيراً في محافظتها كركوك. إضافة إلى سمعتها في عملها الحكومي، تتمتع بعلاقات مجتمعية واسعة.
 
تشير البياتي إلى أنها لم تكن تفكر في دخول الحياة السياسية من قبل، مبينة أن وجهاء عشائريين أقنعوها بأن تترشح للدخول إلى مجلس النواب، مؤكدين دعمهم الكامل لها. تضيف أنّ محافظتها معروفة بكونها تحترم القبائل والزعماء ووجهاء العشائر. ومعروف أيضاً أن كركوك تعد المدينة التي تمثل كافة أطياف العراق، إذ فيها قوميات عربية وكردية وتركمانية وديانات ومذاهب مختلفة، وكل هؤلاء لهم مرجعيات عشائرية. وتأكيداً على تمتعها بعلاقات مجتمعية مع كل مكونات كركوك، تقول هناء إنها تتكلم اللغات الثلاث التي يتحدث بها العراقيون، وهي العربية والكردية والتركمانية.
 
تضيف: "لا أخشى المنافسة ولا أتوقع الخسارة. لو فعلتها في دورات سابقة، لكنت اليوم نائبة معروفة. هناك نواب ونائبات من مدينتي فازوا في انتخابات سابقة، ولا يملكون قاعدة جماهيرية واسعة. وبكل ثقة، أقول إن لي ثقلاً شعبياً أكبر من الآخرين. "هذا الأمر ليس غريباً، وهناك عدد كبير من الشخصيات والوجهاء الذين يملكون قاعدة جماهيرية لكنهم يفضلون الابتعاد عن السياسة".
 
وتستطرد البياتي في الحديث عن سبب ترشّحها: "حال أبناء محافظتي ساء كثيراً خلال السنوات الثلاث الأخيرة التي شهد فيها العراق ارتفاع نسبة العمليات الإرهابية بسبب ظهور داعش، ما جعل كركوك تتعرض لعمليات إرهابية، وتحتضن في الوقت نفسه نازحين من محافظات أخرى، من دون أن نشهد أي دور لأعضاء مجلس النواب المرشحين عن محافظتنا". تضيف: "هنا لا بدّ من أن يظهر عمل النائب، وأن يعمل على توفير أماكن لإيواء النازحين والسعي إلى سد احتياجاتهم، خصوصاً أنّ أعدادهم كانت تصل إلى عشرات الآلاف. شهدنا أعمالاً من قبل مواطنين وزعماء قبائل ومتطوعين مدنيين، لكن لم يكن للسياسيين أي أثر يذكر".
 
البياتي تقول إن داعميها في الانتخابات من زعماء قبليين ووجهاء يمثلون مختلف أطياف كركوك، وإنهم على ثقة بأنها ستمثل صوتهم تحت القبة النيابية، وستعمل على تذليل المصاعب التي يواجهونها. تضيف: "كركوك مثل باقي المحافظات تحتاج إلى من يعمل بصدق للقضاء على المشاكل التي تعانيها. وفي برنامجي خطط تتعلق بتحسين الواقع المعيشي للمواطن، ووضع برامج لإعادة الحياة للمواقع التاريخية والسياحية في المحافظة، والسعي إلى توفير دعم للأنشطة الثقافية والفنية، ما يساهم في تنشئة أجيال بعيدة عن العنف والتطرّف".
 
يشار إلى أن عدد المرشحين الكلي للانتخابات بلغ 7018، من 88 حزباً وتحالفاً انتخابياً، ويتنافسون على 329 مقعداً في مجلس النواب. ويبلغ عدد النساء المرشحات 1983، من بينهن 8 يترأسن قوائم وتحالفات انتخابية في بغداد وجنوب وشمال العراق.
 
وتوزع المقاعد على المحافظات بحسب الكثافة السكانية. وتأتي العاصمة بغداد في المركز الأول لناحية عدد المرشحين والمقاعد المتنافس عليها، وقد بلغ عدد المرشحين 1985 من 40 حزباً وتحالفاً انتخابياً يتنافسون على 71 مقعداً.
 
ووفقاً للدستور العراقي، فإنّ النساء يجب أن يشغلن ما لا يقل عن 25 في المائة من مجموع مقاعد البرلمان العراقي. وشهدت الدورة الحالية للبرلمان فوز 83 امرأة في الانتخابات.
 
 
التعليقات