"بي.بي.سي": نساء حكمن مصر.. كيف أصبحت النساء كل شيء في الدولة المصرية القديمة؟

 
 
تبوأت المرأة في تاريخ مصر القديم مكانة بارزة في شتى مناحي الحياة جعلتها شريكة للرجل إن لم تكن أحد الأسباب الرئيسية في نمو الحضارة المصرية، لذا لم يكن من الغريب على المجتمع قديما توقير المرأة والنظر إليها نظرة "تقديس" لآلاف السنين جعلتها حاضرة بقوة في المشهدين الديني والدنيوي.
 
سبقت الحضارة المصرية حضارات الشرق القديم في تولي المرأة مناصب عليا في البلاد، فكانت ربة في مجمّع الأرباب، وعنصرا أساسيا في أسطورة خلق الكون، وكاهنة لأكبر معبودات مصر، وملكة شاركت زوجها الملك في إدارة شؤون البلاد، أو وصية على العرش، أو ملكة انفردت بالحكم في ظل غياب وريث للعرش، فضلا عن دورها الأساسي كأم وزوجة.
 
اعتلت المرأة عرش مصر أو شاركت فيه أكثر من مرة في ظروف سياسية وتاريخية أحاطها الجدل، وحملت ألقابا عبر العصور من بينها "سيدة مصر العليا والسفلى" و"سيدة الأرْضَين" و"الحامية" و"العالمة" و"ابنة الإله" و"الحاكمة" و"قوية الذراع" و"القابضة على الأرضين" و"سيدة التجلي"، إلى جانب مجموعة أخرى من الألقاب الشرفية مثل "جميلة الوجه" و"عظيمة المحبة" و"صاحبة الرقة".
 
وتقول العالمة الفرنسية ماري-آنغ بونيم، أستاذة دراسات تاريخ مصر القديم بمعهد التاريخ التابع لجامعة باريس الرابعة، في مجموعة دراسات حضارية بعنوان "عالم المصريين"، إنه بداية من عهد الأسرة الثانية، بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم "قرر المصريون أنه في وسع المرأة أن تشغل وظيفة ملكية".
 
وأضافت بونيم أن تاريخ مصر قديما عرف اعتلاء المرأة للعرش كحلقة في سلسلة انتقال للسلطة ضمانا لاستمرارية الأسرة الحاكمة، وأن مؤرخي الدولة الحديثة، بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم : "أسقطوا عمدا، على سبيل المثال، اسمي الملكة حاتشبسوت والملكة تاوسرت من قوائم الملوك، لأنهما شغلتا منصب الملك في ظروف كانت وراثة العرش تعاني من أزمات، واعتبرتا مغتصبتين للعرش".
 
وإن كان المصريون القدماء لم يألفوا كثيرا حكم المرأة، إلا أنه لم يمنع من اعتلاء بعضهن العرش في ظروف اتسمت فيها الدولة بالضعف والاضطرابات السياسية، أبرزهن ملكات حكمن بمفردهن مثل "مريت نيت (الأسرة الأولى)" و "خنتكاوس (الأسرة الرابعة)" و "نيت إقرت (الأسرة السادسة)" و "سوبك نفرو (الأسرة الثانية عشرة)" و"حاتشبسوت (الأسرة الثامنة عشرة)" و" تاوسرت (الأسرة التاسعة عشرة)".
 
واختلفت آراء علماء تاريخ مصر القديم في شأن الملكة "مريت نيت"، نظرا لبعد الفترة الزمنية وندرة المصادر التاريخية القاطعة بشأنها، فهل حكمت البلاد بالفعل بمفردها أم كانت شريكة في الحكم؟
 
ويقول العالم الفرنسي نيقولا جريمال، رئيس كرسي دراسات تاريخ مصر القديم في معهد كوليج دو فرانس والمدير السابق للمعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، في دراسته بعنوان "تاريخ مصر القديمة"، إن رابع ملوك الأسرة الأولى الملك "دن" ترك ذكرى عهد ملكي مجيد ومزدهر، وربما بدأ عهده بفترة حكمت فيها "مريت نيت" كوصية على العرش.
 
وأضاف جريمال: "ساندتها سلطة كبار الموظفين ودعمتها، مما اضطر الملك دن إلى الحد من هذا السلطان". والثابت تاريخيا أنها واحدة من ملوك الأسرة الأولى تولت الحكم بعد الملكين "حور عحا" و"جر"، وعثر علماء على نقش يحمل اسمها على لوحة في مقبرة في أبيدوس، بخلاف مقبرتها الأخرى في سقارة.
 
ورثت "خنتكاوس" عرش البلاد بعد فترة حكم قصيرة جدا للملك "شبسسكاف"، آخر ملوك الأسرة الرابعة. وهي والدة ملكين حكما الوجهين القبلي البحري هما "ساحورع" و "نفرإيركارع"، وفقا لما ورد في مقبرتها في الجيزة.
 
ويقول جريمال إن "خنتكاوس" هي نفسها الملكة "ردجدت" التي تحدثت عنها بردية وستكار حين بشرها الساحر "جدي" في حضرة الملك "خوفو" بأنها سوف ترزق من الإله "رع" بملوك الأسرة الخامسة الثلاثة الأوائل.
 
وأغلب الظن أن الملك "شبسسكاف" تزوج "خنتكاوس"، ابنة "جدف-حور" الأخ غير الشقيق للملك "جدف-رع" ابن الملك "خوفو"، توثيقا لعرى الروابط بين فرعي العائلة المالكة، واعتبرها المصريون الجدة الأولى للأسرة الخامسة، ويبدو أن "شبسسكاف" لم ينجب منها وريثا للعرش، لذا يعتقد العلماء أنها كانت شريكة للملك في الحكم.
 
ويقول العالم المصري سليم حسن في دراسته الإنجليزية "حفائر في الجيزة" إن "خنتكاوس" اتخذت لنفسها ألقابا من بينها "ملكة مصر العليا والسفلى" و "أم ملك مصر العليا والسفلى"، ويعتقد أنها كانت وريثة شرعية للعرش، وانتقلت هذه الشرعية إلى الأسرة الخامسة.
 
 
التعليقات