"فلسطين تمشي علي قدمين".. زينات أبو شاويش سيدة يخشى الاحتلال عقلها (بروفايل)

 

هي زينات أبو شاويش، أو" زينات فلسطين" كما أسماها والدها منذ أن كانت طفلة في الثالثة من عمرها. صنفت كأهم فلسطينية على مستوى العالم ووصفت بالمرأة التي خشيت إسرائيل عقلها. فلسطين هي محرك طاقة الاستمرار لدي زينات و"الأكسجين" الذي تتنفسه كما تقول.

 تعيش معها في عوالم كثيرة ما بين الشعر والأدب والإعلام والنقد والدراسات الإسلامية والفقه وعندما سألناها عن فكرة الوطن والهوية قالت إن المبدع كائن كوني يستطيع أن يصنع عالمه الخاص بامتداد تجاربه الإنسانية.

كشفت ل"مصريات" أنها تكتب للإنسان في كل زمان تكتب للحب والعدل والصدق والجمال تكتب لكي ينتصر الخير في أكوان الله فتتجلى المحبة لتكون عنوانا وجوديا للإنسان.

 تكفي بضعة دقائق معها لتتيقن أنك أمام تركيبة ثرية، مزيج من العشق والحب والفلسفة، تمتلك امتنان للحياة وللمحن التي جعلت منها إنسانة عاشت كل ظروف الحياة فخلقت منها كائن مختلف تعيش حالة من التصالح مع الذات تغفر بها ذنوب كل من أساء إليها تقرأ في عيونها مسحة من الحزن لكنه لا يمكث كثيرا أمام ابتسامة ممزوجة بالأمل برغم كل ما مرت به من ظروف في حياتها. عند حوارك معها سيتسرب الوقت من بين يديك فأنت هنا في حضرة كائن مختلف فكلما أردت أن تدرك قدره في مجال اكتشفت فيه مجالات كثيرة.

 

عملت كمراسلة للإذاعة المصرية وكاتبة ودكتورة جامعية وباحثة، وهي أيضاً شاعرة تزرع قصائدها على حوافها روحها فتزهر أبجدية من نور هذا ما تقوله على صفحتها بالفيسبوك. 

درست الإعلام وتخصصت فيه وأنهت الماجستير والدكتوراه في نفس التخصص ولكنها لا تشبع من المعرفة والبحث والاطلاع والثقافة، فدرست النقد الأدبي والدراسات الإسلامية والترجمة والفقه، تقدر قيمة العلم وتفوقت في التعليم الذي كان استمراره مشروطاً بحصولها على المنح بسبب عبء المصاريف التي دفعتها بالجنيه الإسترليني واحياناً بالدولار لكونها فلسطينية، بالرغم من أنها ولدت في مصر.

 كانت الجامعة بالنسبة لها من أهم محطات النشاط التعليمي تحضر وتعقد ندوات وأمسيات، تعيش حالة تفاعلية بهدف خلق واقع مغاير وشغفها بالإعلام دفعها للاهتمام بالثقافة ورفع حالة الوعي وعملت بالصحافة وهي طالبة جامعية ثم بالإذاعة المصرية، في برنامج لتقديم التراث الفلسطيني ثم كمراسلة في فلسطين لمدة بضعة أشهر وقت انتفاضة الأقصى عام 2000-2001، رأت فيهم القدس وبيت لحم ومدن الضفة والخليل وغزة، رأت جرائم الاحتلال ومشاهد الموت، وعرفت قيمة الحياة.

تفاصيل كثيرة تزين مكتب ومكتبة ومنزل زينات، تجمع فيها الكثير من الدروع وشهادات التقدير على حصلت عليها خلال مشوارها، وتجمع فيها التعبير عن التقدير والامتنان وشعور بالاعتزاز يوصلك عندما تشير الي درع الدكتوراه المزخرف بقبة الصخرة وشهادات التقدير، وتشرح لك من أين آتي كل تذكار أو هدية في هذا البيت ستجد رائحة دول كثيرة مرت بها زينات في ترحالها، دقائق الأمور تكشف عن فتاة حملت القضية علي عاتقها، ناضلت من أجلها بالكلمة  والفكر والبحث والتحليل والكتابة، مؤمنة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وأن يحرر وطنه ويحرر الإنسان الفلسطيني، الحر بطبعه كما تصفه.

 بنفس اللهفة تتحدث زينات عن القراءة التي تعشقها منذ الصغر. تقول: "قرأت أمهات الكتب وأنا في مرحلة مبكرة في حياتي بدأت من المرحلة الإعدادية، وكانت البداية في رحلتي تجليات الإمام أبو حمد الغزالي".

وتتذكر كيف أحبطت طموح والدتها ذات مرة في عمل تجديدات بالمنزل بعد أن أنفقت هي الأموال المرسلة من أخيها كلها على معرض الكتاب. لا يمكن أن تنتظر كثيراً لتريك مكتبتها ومكتبها وتقدمهم لك بكل فخر قائلة: "ثروتي".

نقطة تحول في مسيرتها المهنية كانت في شبكة "إسلام أون لاين"، الذي مثل لها نقلة نوعية مهمة على المستوي المعرفي والبنيوي فتقول: "أصبحت أكثر عمقًا في التعاطي مع القضايا وفي نفس الوقت اكتسبت فلسفة التعامل مع الأمور بطريقة أبسط. كانت مساحة تفكيك لشخصيتي المركبة حيث أصبحت أكثر التصاقا برجل الشارع العادي واهتماماته والوصول إلى فلسفة الحياة الحقيقية بعيدا عن الحياة بين الكتب والمكتبات" وهنا ظهرت زينات الباحثة وتبلورت شخصيتها وانتقلت لمرحلة أخرى، قدمت فيها أطروحات وإشكاليات مختلفة للتعاطي مع مجمل القضايا البحثية التي أرادت الولوج إليها على حد قولها.

 

كانت تحلم بأن تبني مؤسسة إعلامية تخدم قضية فلسطين وشعبها بعيدا عن فكرة التنميط السياسي والأيدلوجي التي يعاني منها الشارع الفلسطيني والعربي على حد سواء، بحسب ما قالته.

فقدمت مشروع مشروع لفلسطين والذي تبلور فيما بعد تحت اسم شبكة فلسطين للإعلام والدراسات.

قالت إنها استمرت عدة سنوات في البحث لكي تقدم رؤية هذا الموقع حيث قامت بعمل بحث على المواقع الإسرائيلية على شبكة الإنترنت وبحث آخر عن المواقع الفلسطينية والعربية المهتمة بقضة فلسطين، واكتشفت أن المواقع الفلسطينية والعربية أكبر من حيث الكم ولكنها مواقع هلامية ومؤدلجة إلى حد بعيد أضف أنها تقدم رؤية أحادية للقضية على عكس المواقع الإسرائيلية التي تقدم رؤية شمولية وكلية مستخدمة في ذلك أدوات غير تقليدية في العرض والطرح.

شبكة فلسطين للإعلام والدراسات هي ثمار نتيجة تلك الأبحاث. تأسس الموقع عام 2006 برؤيته الشمولية التي اعتمدت على محورين: الأول، الإنسان الفلسطيني بكل تجلياته، ويقدمه في صورة إنسانية ويرصد معاناته وهجرته ولجوئه ومخيماته وحصاره أي أماله وآلامه.

والمحور الثاني: هو الاحتلال الإسرائيلي بكل انتهاكاته، مثل الهدم والقتل والاغتيال وتجريف الأراضي ومنع المساعدات وإغلاق المعابر، اعتقال الأبرياء الخ...

وهي موقع إعلامي يقوم على العمل التطوعي لخدمة القضية الفلسطينية وكل من فريقه من المتطوعين سواء الجانب الإعلامي أو التقني وهذا منذ ما يزيد عن 12 عام.

وقام الموقع بالعديد من الحملات الإعلامية بين 2006 و2010 وقوافل إغاثية جمعت فيها معونات للشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى 7 مؤتمرات سنوية دعيت لها كبار الشخصيات في مصر والعالم العربي، والعديد من الندوات، كما استطاع جذب مئات المراسلين من جميع أنحاء العالم بما فيهم الأجانب. وتقول زينات عن الموقع الذي أسسته وإدارته لسنوات أن الداعمين للقضية دائما على استعداد لتقديم المزيد المهم أن نلتقط الخيط وفق اللحظة الراهنة التي مكننا من الوصول لأهدافنا الوطنية بطريقة صحيحة

سئلت في إحدى المحافل الدولية "هل تكرهين إسرائيل؟"  فردت: "هذا سؤال سطحي فالعلاقة بيننا وبين إسرائيل ليست علاقة حب وكراهية وإنما علاقة حقوق، دعوني أقول لكم من هي إسرائيل وأترك لكم الحكم عليها. إسرائيل اقتلعت شعب من جذوره وخلقت منهم أكثر من تسعة ملايين لاجئ في كل أنحاء العالم، إسرائيل هدمت أكثر من 640 قرية فلسطينية إسرائيل أقامت دولة فوق الأراضي الفلسطينية بدون وجه حق وتمنع الآن من قيام دولة فلسطينية على جزء لا يتجاوز 27% مما تبقى من فلسطين إسرائيل احتلت وقتلت واعتقلت وشردت وهدمت بيوت الفلسطينيين على رؤوسهم وشردت أهلها. المسألة لا تقاس بالحب أو الكراهية، إسرائيل هو كيان محتل، عدمي بالرغم من واقعيته، استطاع أن يقتلع شعب من وطنه ويحوله إلى مجموعة اللاجئين الذين يعيشون في المخيمات، إسرائيل دولة هشة برغم كل ما تمتلكه من أسباب القوة ولو صمدت مئات السنين لن تبقي طيلة الزمن لأن ما أخذ بالباطل لا يستمر.

وحول رؤيتها في التعامل مع اليهود قالت "نحن أحق باليهود من المحتلين فهناك الكثير من اليهود داخل فلسطين وخارجها يرفضون حتى هذه اللحظة قيام دولة إسرائيل بل ويناصرون القضية الفلسطينية وشعبها فإن أراد اليهود أن يعيشوا في فلسطين فمرحبا بهم لهم مالنا وعليهم ما علينا من حقوق وواجبات ولكن أن يكونوا محتلين فهذا مرفوض."

 وتدافع زينات بقوة عن حق مقاومة الاحتلال، فتقول: "الأمور واضحة تماما ولا يمكن أن الالتفاف حول ماهية المقاومة أو حتى أدواتها. المقاومة حق مشروع لكل الشعوب التي تعاني من الاحتلال وهذا ما أقرته كافة القوانين والمواثيق الدولية فلماذا يحرمون الشعب الفلسطيني من هدا الحق؟ بل وتم تشويه النضال الفلسطيني في الآونة الأخيرة بشكل ممنهج."

للأسف الغرب يصنع السيناريوهات التي يريدها ويفرضها علينا كواقع خاص يحقق له طموحة من هذه المنطقة، ولديه الأدوات والإمكانيات التي تحقق له ما يريد، والعرب يعيشون حالة من الغياب في كل شيء وعلى كافة الأصعدة، وللإعلام دور خطير في ذلك فالعرب لا يمتلكون منظومة إعلامية خاصة بهم ولا حتى الفلسطينيين للآسف الشديد-هذا ما قالته زينات أبوشاويش.

 تتحدث زينات بمرارة شديدة أن القضية الفلسطينية لم تعد على سلم الأولويات العربية، لا من الناحية السياسية ولا حتى من الناحية الإنسانية ومع ذلك تظل متفائلة: "فلسطين قضية قد تخفت أحياناً ولكنها لا تموت لأنها قضية حقوق."

قال عنها المفكر الكبير عبد الوهاب المسيري ذات يوم أن: "زينات هي فلسطين تمشي على قدمين" فاستطاعت أن تكون وجه من وجوه فلسطين المشرقة بكل ما تقدمه للقضية الفلسطينية.

عاشقة لفلسطين وموطنها مصر، فتقول: "مكوني الإنساني هو مصر ومكوني العاطفي الذي خلق في مصر كان فلسطين" على حد تعبيرها. وتضيف: "دول كثير وشعوب كثيرة منحتني حبها...وأنا في عمر ال28 جاء مستشار ملك السويد لمقابلتي في مصر عندما اختارتني الأمم المتحدة كأهم فلسطينية علي مستوي العالم وكنت مازلت فتاة في العشرينات تسافر لتحكي وتكتب عن القضية الفلسطينية."

بالرغم من أنها واجهت صعوبات في حياتها وكافحت من اجل البقاء، إلا أنها تشعر أن النعم تحفها وإنها ممتنة للظروف السيئة قبل الجيدة في حياتها لأنها شكلت دروس عميقة لها، حتى استطاعت أن تصل إلى مصالحة مع الظروف، تري الحب في كل شيء فهي تؤمن أن المحبة مفاتيح لهذا الكون بكل تجلياته على حد تعبيرها.

كان تأثير والدها المكون الأساسي في تكوين شخصيتها، حيث شكل ملامحها المعرفية والحضارية والإنسانية بكل تفاصيلها وتشكلت هويتها الأولية بين يديه فزرع فيها الاهتمام بالقضايا الإنسانية بكالياتها فالإنسان فيها أصل هذا الكون وعنوان حضارته كما تقول، كما زرع فيها المثابرة والتحدي لمواجهة صعوبات الحياة، كما نهلت من والدتها الجانب الأنثوي المهتم بالبيت والطبخ والتربية وهنا الحديث حول هذا الأمر لن يكفينا.

كما تأثرت أيضا بشخصيات كثيرة بدءً من الذي كان يعلمها القرآن في البيت، ومدرستها في طفولتها بالحضانة وأساتذتها في المدرسة في بلدتها بشبرا النخلة في محافظة الشرقية، ومدرسوها في كافة المراحل الإعدادية والثانوية والجامعة وجاء اختلاطها بالعلماء وكبار الشخصيات باختلافاتها الإيديولوجية والفكرية من أقصى اليمين لأقصي اليسار ليخلق منها شخصية فريدة من نوعها. 

أخيراً، تظل البصمة المهمة داخل زينات أبو شاويش من نصيب راشيل كوري ومجموعات ضد الحرب التي تشكلت أثرا الاحتلال الأمريكي للعراق وشارك فيها أفراد من شتى بقاع الدنيا فكانت زينات احدى هذه المشاركات وتعرف على مجموعة راشيل كوري قبل أن يغتالها الاحتلال التي تعتبرها من أيقونات المقاومة، حيث دفعت حياتها ثمنا لما تؤمن به مما يدل على تجليات المقاومة وانتهاكات العدو.

وللشعر في حياة زينات أبو شاويش حكايات كثيرة فهي تكتب الشعر منذ طفولتها ولكن شخصيتها الشعرية تبلورت في المرحلة الجامعية حيث حصدت المركز الأول في قصيدة الفصحى على مستوى الجامعات في مصر وشاركت بقصائدها لدعم قضية فلسطين وشعبها فعرضت احدى قصائدها في مؤتمر شعبي بالإسكندرية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني وحصدت القصيدة مليون جنية قدمتها دعما للشعب الفلسطيني، ثم توقفت عن المشاركات والأمسيات منذ الثورات العربية ولكنها لم تتوقف عن الكتابة فمنذ طباعة ديوانها الأول عام 2000 ننتظر ميلاد الكثير من الدواوين الشعرية التي ستزيل الستار عن أشياء كثيرة لم نعرفها عن زينات أبو شاويش حتى الآن ونختتم بقولها:

تَعَلَّمْتُ كَيْفَ أُحِب
وَكَيْفَ يِكُون اِنْصِهَار المَحَبَّةِ نُورٌ وَنَار

 

وَكَيْفَ أغَيِّبُ فَيَأْتِي الغِيَابَ بِطَعْمِ الحُضُورِ فِي صَمْت النَّهَار

تَعَلَّمْتُ كَيْفَ أُغَنِّي
وَكَيْفَ يَكُونُ الغِنَاءُ اِنْتِحَار

 

تَعَلَّمْتُ كَيْفَ أَكُونُ اِبْتِسَامَةُ شَوْقٍ بِطَعْمِ الحضور على شُرْفَةٍ حَانِيَة
وَلَيْتَنِي لَمْ أَتَعَلَّمْ شَيْء

 

تَعَلَّمْتُ طِعْم الهُرُوبِ مِنْ الشَّوْقِ مِنْ الدَّمْعِ مِنْ اللَّيْلَةِ البَاكِيَة
تَعَلَّمْتُ أَنَّ الحَيَاة حَيَاة وَلَكِنَّهَا فَانِيَة

 

التعليقات