هدى جعفر تكتب: من يشبهك يا رؤوفة؟ (بروفايل)

 
 
 
"رؤوفة حسن الله لا أحسن لها" هذه الكلمات لن تفارق عقلي ما حييت، كل ما حاولت نسيانها والعفو عن قائليها ترتد ثانية فينصدم صداها بجدار كذبهم وزيفهم."
 
هكذا بدأت المدوّنة سبأ حمزة ذكرياتها عن الراحلة رؤوفة حسن وكيف تفرّغ رجال الدين وأئمة الجوامع في اليمن للدعاء عليها في منابرهم. لأنّهم وجدوا أنّ محاضرة عن وجوب تعليم الفتاة تلقيها دكتورة رؤوفة أهم وأشد خطورة وأعظم بلاءً على الناس من الفساد والحروب والأمراض والفقر ومهانة المواطن اليمني في الداخل والخارج!
 
***
 
قبل عشر سنوات رأيتها وجهًا لوجه في ورشة عمل لاستعراض نتائج دراسة حول تمكين النساء سياسيًا وحق النساء في الترشح حضرتُ بالنيابة عن مديرتي آنذاك السيدة رحمة حجيرة (يومها قابلت أيضًا المذيعة اللامعة مها البريهي لأول مرة وكانت أجمل من الشاشة بما لا يُقاس).
 
وقلتُ لنفسي وأنا أدلف القاعة وأخيرًا سأشاهد رؤوفة حسن وكانت كما توقعتُها: سيدة ساحرة، صغيرة الحجم، بصوتٍ يُسمع لآخر القاعة دون الحاجة إلى الميكروفون رغم رقّته، خفيفة الظل، وذكية لأبعد حدّ، ولديها تلك القدرة على تحويل أشنع التعليقات من الحضور وأكثرها فظاظة إلى نكتة تجعل قائلها يضحك على نفسه، ذهبت للسلام عليها بعد الانتهاء من الندوة وعرفتها بنفسي، ضحكت بابتسامة فاتنة وقالت تعليقًا لطيفًا لم أستطع أن أرد عليه من فرط ارتباكي، هززتُ رأسي وأنا أقول بصوتٍ خفيضٍ: شكرًا يا دكتورة.
 
 
***
 
اسمها الحقيقي أمة الرؤوف حسن الشرقي (14 ديسمبر 1957 -27 إبريل 2011) من مواليد صنعاء في عائلة معروفة وجدها كان قاضيا شهيرًا، اضطرت في بدايتها لتغييره إلى رؤوفة حسن حتى لا يكتشف أهلها أنها تعمل في الإذاعة فالتصق بها وعُرفت به حتى وفاتها في إحدى مستشفيات القاهرة في 27 إبريل/نيسان 2011 عندما كان اليمن يغلي بأحداثٍ سياسية حارقة.
 
إن رؤوفة حسن لم تكن يومًا مجرد فرد داخل بلدها، كانت عالمًا هائلًا من القيم والأفكار وتاريخًا بذاته أثر في تاريخ اليمن تأثيرًا عميقًا غير قابل للإزالة، يعود لها الفضل في تأسيس كلية الإعلام في جامعة صنعاء، حيث تخرج على يديها العشرات من أشهر الإعلاميين اليمنيين الذين يتصدرون المشهد الإعلامي اليمني داخل اليمن وخارجه، ويعود لها الفضل كذلك في تأسيس وحدة دراسات المرأة ومركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية، وكانت عضوة في أول مجلس أمناء للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية الذي انتخبته الجمعية العمومية في القاهرة، عملت مستشارة في البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في اليمن وتونس ولبنان، كما حاضرت في عدد من الجامعات العربية والأوروبية، لها فضلٌ على كل امرأة يمنية بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا يوجد ناشطة يمنية لم تستفد من رؤوفة حسن برؤية ما، أو نصيحة، أو كلمة قرأتها في مقال أو سمعتها في ندوة، كانت أول امرأة بعد الثورة ضد الحكم الإمامي تُخصص برنامجًا عن النساء كمعدة وكمذيعة في الإذاعة ثم في التلفزيون ولمدة عشر سنوات من 1970 وحتى 1980، حصلت رؤوفة حسن على البكالريوس من جامعة القاهرة، والدكتوراه من جامعة باريس.
 
يقول الصحفي والكاتب الساخر فكري قاسم مُستذكرًا الراحلة "ونحن طلبة في أوائل دفعات كلية الإعلام بجامعة صنعاء، أتذكر أنه كان يُنادى علينا باسم " عيال رؤوفة حسن"، وكم كان ذلك النداء يشعرني بالزهو، ولكأنهم يقولون لنا يا عيال الشمس".
 
كانت رؤوفة تبدو كامرأة لها ألف يد وألف لسان وألف عقل، تحاضر في الجامعة، وتقدم أوراقًا ومداخلاتٍ، وتلبي دعوات المؤتمرات والندوات، وتؤلف، وتكتب مقالات أسبوعية، وتنصح، وتدرّب، وتقرأ، كانت مقاتلة حقيقية، وصبورة، وذكية، وإنسانة شجاعة وجلدة ومنصفة، كرّست نفسها للدفاع عن الحق والجمال والخير.
 
تذكر المدوّنة اليمنية أفراح ناصر المقيمة في السويد في مقالٍ لها حول رؤوفة حسن نُشر في موقع درج بداية الشهر الجاري:" تُخبرني الأكاديمية الأميركية صديقة رؤوفة، ستيسي فيلبريك ياداف كيف أن رؤوفة كانت معلمة ممتازة بالدرجة الأولى، ففي أوائل لقاءاتهما كانت الدكتورة تشرح لستيسي فيلبريك ياداف عن الحراك النسوي في أميركا وأعطتها مثالاً عن "قائمة أيميلي" وهي لجنة سياسية نسوية عملت على تعزيز حق النساء في أميركا في العمل السياسي. تقول لي ستيسي فيلبريك ياداف: "لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك، ومنذ حينها وأنا أدرِّس ذلك المثال لطلابي. الدكتورة رؤوفة نموذج مميز لنسوية آمنت بقضية النساء أينما كانوا، سواء في اليمن أو أميركا."
 
حلمت رؤوفة حسن بالكثير، ربما أكثر مما يجب، حلمت بالنمو والعدالة والإنسانية لكل اليمنيين واليمنيات.
 
وأجمل ما قد يصف رؤوفة حسن ما قالته عن نفسها بنفسها في أحد المقالات: "أنا لا أقول الأشياء التي لا أفعلها، وقد التزمت بهذا في حياتي مما جعل حياتي مريحة، لستُ بحاجة إلى أن أنافق أحدًا، أو أكذب، التزمت الاستقلال السياسي والذي دفعت ثمنه غاليًا، لأن الجميع يعتبرونني لست معهم وبالتالي فأنا ضدهم، فخسرتُ المناصب، وخسرت مواقع سياسية، لكنّي كسبتُ نفسي، فروحي لا أحد يشتريها"
 
رؤوفة حسن! "من يشبهك من" يا رؤوفة!
 
التعليقات