أشرف الصباغ يكتب: اغتيال الصحفية المالطية.. داعش ومافيا ومخدرات وما خفي كان أعظم

 

أول خيوط اغتيال الصحفية المالطية دافني كروانا جاليتسيا قاد إلى ليبيا وداعش، وما خفي كان أعظم. فكل عناصر "التشويق" حاضرة: زعماء وعناصر مافيا، وساسة، ورجال أمن، وأجهزة.. تهرب ضريبي وتهريب نفط وتدوير مخدرات.. سلاح وإرهاب وداعش.. أسماء عربية وأوروبية معروفة في عالم المافيا والمخدرات والسلاح.
كانت الصحفية المالطية كروانا جاليتسيا، التي تم تفجيرها في سيارتها يوم 17 أكتوبر 2017، قد شاركت في تحقيق في ما يعرف بـ"أوراق بنما"، التي تتعلق بحسابات مالية تم فتحها في هذا البلد من جانب شخصيات ومسؤولين أوروبيين رفيعين تهربوا من الضرائب في بلادهم وخارجها. والمعروف أن هذه القضية شملت حالات فساد هزت مجمل القارة الأوروبية على أعلى المستويات.
المحققون وصلوا من الولايات المتحدة وهولندا وبريطانيا وإيطاليا وصلوا إلى مالطا للمشاركة في التحقيقات التي بدأت بالاشتباه، وفقا للصحف الإيطالية، في وجود ارتباط مؤكد لاغتيال الصحفية المالطية دافني كروانا جاليتسيا بتحقيق صحفي قامت به حول تورط جهات إيطالية ومالطية مع قادة ميليشيات ناشطة على أراضي ليبيا في تهريب النفط الليبي من غرب البلاد إلى إيطاليا عبر مالطا، وهي عمليات تدر عشرات ملايين اليورو، إلى جانب تزوير ملفات الجرحى الليبيين، في عمليات أشبه بأفلام المافيا في أفلام ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
تمكن نجل الصحفية المقتولة، ماثيو كروانا جاليتسيا، من فك تشفير الكمبيوتر الشخصي لوالدته، وأكد للمحققين وجود إثباتات تتعلق بملفات التهرب الضريبي وتهريب النفط والإتجار بالمخدرات وترويجها، وتورط عدد من الساسة في فضائح كثيرة، على رأسها الفضائح الجنسية.
قالت جريدة " كوريري ديلا سيرا" الإيطالية إنه من بين الملفات المثيرة، التي تم العثور عليها في كمبيوتر الصحفية، ما يعرف بفضيحة صفقة الجرحى في ليبيا، والتي جرى في إطارها منذ سنوات، تسديد الملايين إلى مستشفيات وهمية وعيادات غير موجودة في أوروبا وكذلك في روما من خلال شبكة وسطاء مالطيين تتضمن أشخاصا ومؤسسات وهيئات.
لقد توصلت جاليتسيا إلى استكشاف مفاده أن عددا من المواطنين المالطيين والساسة والمحققين الدوليين وجدوا الطريق لكسب مبالغ ضخمة من المال من وراء الحرب الأهلية في ليبيا. هذه الفرضية، وفق مصادر الصحيفة الإيطالية، هي واحدة ضمن فرضيات كثيرة. غير أن المسار الليبي المحتمل يستند إلى عدة عناصر من هذه التحقيقات الأولية، أهمها المتفجرات المستخدمة في عملية الاغتيال، والتي تبين أنها من نوع "سيمتكس" المتوافر في ليبيا، إضافة إلى أنه يوجد تدفق للأموال الليبية، التي تمر عبر جزيرة مالطا من خلال تهريب النفط، أو أموال الصناديق السيادية.
وقالت " كوريري ديلا سيرا"، إن الصحفية المالطية اكتشفت مؤخرا آليات تمويل الميليشيات العاملة على الأراضي الليبية، وتمكين أشخاص، بعضهم من المجرمين الحقيقيين، من تسهيلات ومزايا كبيرة. ولكن الخطير هنا، أن الصحيفة أوضحت أن عناصر تلك الميليشيات يقضون شهورا من الراحة في كرواتيا أو إيطاليا، بل وأيضا في تركيا ولبنان وتونس، ويقدمون حسابات طائلة عن علاج لم يتلقوه وتسددها الحكومة الليبية!!
واستكمالا للمشهد المرعب، إقليميا ودوليا، حيث يتورط العديد من المؤسسات والحكومات والدول، غطت الصحف الإيطالية جوانب أخرى من تلك القضية، عبر مقالات رئيسية وتحقيقات واسعة وتفصيلية تناولت وجود علاقة "ثابتة" و"رسمية" بين المافيا في إيطاليا ومثيلتها في مالطة وبين قادة لميليشيات ليبية في عمليات تهريب النفط، وأن الأشخاص المعتقلين حاليا في هذه القضية هم الرئيس التنفيذي لشركة "ماكسكوم بانكر" الإيطالية ماركو بورتا، وتاجر المخدرات الليبي فهمي موسى سليم بن خليفة الذي كان يقود سابقا فصيلا مسلحا على الحدود الغربية بين تونس وليبيا، والمالطيان دارين ديبونو وجوردون ديبونو، اللذان يقومان بعمليات النقل، والليبي طارق دردار، الذي يدفع ويتسلم الأموال بالعملات الأجنبية.
وأكدت مقالات وتحقيقات الصحف الإيطالية أنه خلال عام واحد فقط تمكن كل هؤلاء الأشخاص من كسب نحو 80 مليون يورو خلال 30 رحلة، وأن النفط الليبي الذي يتم تهربيه يصل كنفط سعودي ثم يتم تغيير المستندات في مالطا.
أما صحيفة "لا ريبوبليكا" أوضحت أن هؤلاء المذكورين تم اعتقالهم على خلفية هذه الأنشطة، فيما نقلت عن نائب مدينة كاتانيا في جزيرة صقلية كارميلو دزوكاررو، الذي نسق التحقيق في هذه القضية، أن الدخل المالي من تهريب النفط الليبي من الممكن أن يكون قد جرى تحويله إلى قيادة تنظيم "داعش" الإرهابي في ليبيا.
الخطير في هذا المشهد المتشابك الذي تتورط فيه مؤسسات خاصة وحكومية وحكومات ودول وبنوك عابرة للقارات، يكاد يتطابق مع مشهد آخر لا يقل بشاعة ووحشية، وهو المشهد السوري وما يحيط به من صراعات دولية وإقليمية، حيث يتضمن أيضا أسماء كثيرة مرتبطة بأجهزة أمنية واستخباراتية لدول كثيرة، من بينها الدول التي تتصارع على سوريا وفيها، إضافة إلى علاقات النظام السوري أيضا بأشخاص معروفين باتصالاتهم وعلاقاتهم بعالم المال والنفط والجريمة والاستخبارات. وعلى الجانب الآخر، يستقبل العديد من الدول عناصر المليشيات، سواء من ليبيا أو سوريا، من أجل تقديم العلاج ووسائل الاستجمام، حيث يتم دفع أموال طائلة، على الأوراق فقط، ما يثير الكثير من الشبهات حول تورط حكومات ومسؤولي دول كثيرة في عمليات تبييض الأموال، وتدوير المخدرات، وتجارة السلاح بشكل غير شرعي. هذا إضافة إلى المشاركة – عبر عملاء – في نقل النفط على متن سفن تحمل أعلام دول، ويتم استبدال هذه الأعلام بين الحين والآخر.
 

التعليقات