صاحبة الرواية التي تصدرت مبيعات الأعمال الأدبية في القرن19.. "هارييت ستو" سفيرة محاربة العبودية في أمريكا

 

هارييت ستو إحدى أبرز الناشطات بمفهومنا الحديث، فهي سيدة سخرت القوة الناعمة في مواجهة السادية الطاغية على مجتمعها عندما تبنت قضية العبودية المنتشرة في المجتمع الأمريكي وهاجمتها بكل ما أوتيت من قوة وإرادة، فكانت روايتها "كوخ العم توم" إحدى أهم الوسائل التي أحدثت صحوة في المجتمع الأمريكي تجاه هذه القضية حيث أصبحت الرواية هي الكتاب الأكثر مبيعاً في القرن الـ 19 بعد الكتاب المقدس.

ولدت الروائية هارييت لأسرة متدينة، فكان والدها واعظاً دينيا وبعضاً من أخوتها كانوا من القساوسة ورجال الدين، وتلقت تعليمها في المدرسة التي كانت تعمل بها شقيقتها كاثرين ستو معلمة فكانت لنشأتها أثر كبيراً على رؤيتها لعادات مجتمعها.

وكان تدوينها للصور المأسوية التي ترى فيها العبيد الزنوج في مدينتها هو شغلها الشاغل، عندما تألمت لما تراه في حياة هؤلاء البشر بداية من اعتبارهم مخلوقات دنيا لا ترقى إلى المعاملة الآدمية وما في ذلك من ممارسات انتهاكية عنيفة وسفك حقوقهم الإنسانية تحت مظلة القانون، ثم جذبها ضوء آخر استطاعت أن تغذي منه مواجهتها حيث كانت دائمة التردد على أحد الصالونات الثقافية وكان يدعى " الفصلة  المنقوطة"، وهناك تعرفت على زوجها "كالفن" الذي كان شديد المعارضة للاستعباد. بعد زواجهما تنامت قوتهما في محاربة العبودية حتى كانا يأويان العبيد الهاربين من أسيادهم في بيتهما حتى يتمكن هؤلاء من الهرب والنجاة بأنفسهم.

ثم قررت أن تخرج في المرحلة التالية المواجهة العلنية للمجتمع، فقامت بمراسلة جماليل بايلي أحد المحررين بصحيفة "ناشيول إري"، تلك الصحفية الأسبوعية المعروفة بمعارضتها للعبودية وقالت له في رسالتها "أشعر الآن أنه حان الوقت الذي يجب فيه حتى على المرأة أو الطفل الذين لهم القدرة على قول كلمة من أجل الحرية والإنسانية أن يتكلموا، وآمل ألا تصمت أية امرأة تستطيع الكتابة".

وبالفعل شرعت في تقديم أجزاء روايتها "كوخ العم توم" في حلقات للصحيفة وبعد أن أثارت نصوصها الاهتمام تم تجميعها في كتاب صدر عام ،1852 وحققت الرواية رواجاً جارفاً فأثارت المشاعر الغاضبة نحو الرق وتصاعد معها الجدال بين الشعوب المؤيدة للعبودية في الجنوب وبين من ثارت دواخلهم الإنسانية،  كما استطاعت الرواية  تحقيق نسبة مبيعات ضخمة لتصبح المخطوطة الأكثر مبيعاً في القرن الـ19  بعد الكتاب المقدس، وتجلت مظاهر تأثير الرواية في تسمية 300 طفلة باسم بطلة الرواية "إفا" في ولاية بوسطن، و تم عرضها كمسرحية في نيويورك في عام صدور الرواية.

كذلك كان لهاريت نشاطاً قوياً في الدفاع عن حقوق المرأة المتزوجة التي كانت وفقاً للقانون الإنجليزي كحال العبيد في الولايات المتحدة، حيث لا يكون لها حق في تملك أي شيء أو تحرير عقود، كذلك فإن كان لها ميراثاً أو كسب فإنه يؤول لزوجها.

 

بعد نشوب الحرب الأهلية في أمريكا دعاها الرئيس لينكونن للحضور إلى البيت الأبيض وقال في كلمته: "أنتِ المرأة الصغيرة التي كتبت ذاك الكتاب الذي سبب بداية هذه الحرب العظيمة".

أنشات ستو "ماندارين" للأطفال والكبار لترسخ مبدأ المساواة وعدم التفرقة أو التصنيف العنصري بها، وكان ذلك سببا في تقديم الحركة القومية نحو المساواة وتفاعل أطياف المجتمع، كما أسست مدرسة هارفرد للفنون التي تحولت فيما بعد إلى جزء من جامعة هارفارد.

واستمرت في نضالها ضد العبودية حتى تدهورت حالتها الصحية بعد وفاة زوجها، وأصيبت بخلل في العقل جعلها تعيد كل ما كانت تفعله سابقاً في حياتها وكأنها تقوم به للمرة الأولى.

وعن ذلك نقلت صحيفة "واشنطن بوست" أن الروائية الكبيرة تعيد كتابة روايتها "كوخ العم توم" مرة ثانية، وأشارت إلى أنها تعيد كتابة الرواية بنفس الكلمات ونفس الصياغة باعتبارها أن لم تكتبها فيما قبل.

ذكرها الكاتب مارك لوين الذي كان جاراً لها في الفترة الأخيرة من حياتها في كتاب سيرته الذاتية قائلاً: "لقد اضمحل عقلها، وصارت شخصية مثيرة للشفقة. كانت تتجول طوال اليوم في رعاية امرأة أيرلندية شبيهة برجل، ولكنها كانت مفعمة بروح حيوية بشكل عام حيث كانت تستطيع أن تتعامل مع المفاجآت بل وأحبت أن تصنعها؛ فمن الممكن أن تتسلل وراء شخص يغط في الأحلام أو التأملات وتصدر صوت مثل صيحة في حرب مما يجعل الشخص يقفز من ملابسه. وكان لها أمزجة أخرى أيضا، ففي بعض الأحيان كنا نسمع موسيقى هادئة من غرفة الرسم خاصتها ونجدها هناك تعزف البيانو وتغني أغاني قديمة وحزينة بصوت مؤثر بشكل لا يوصف".

توفيت هاريت عام 1896 بعد صراعها مع مرض الزهايمر و أمراض الشيخوخة وبعدها تحول منزلها بمقتنياتها و أدواتها إلى مزاراً  تخليداً لذكراها.

 

التعليقات