لاجئات سودانيات يروين معاناتهن فى مصر.. هربن خوفا من الموت في الحرب ليواجهن "القتل النفسي": كنا متنا وسط أهلنا أحسن

 

 

"أن تكون أسمر ولاجئ وامرأة" ثلاثة صفات قادرة على أن تجعل أصحابها فى مواجهة الأسوأ دائما فى مصر، فقد هربن  اللاجئات السودانيات من الحرب في السودان ليجدن في مصر حرب نفسية تفوق احتمالهن .

تروى أربع سيدات لاجئات سودانيات معاناتهن في تقرير مصور لمجلة "السين" أعدته الزميلة نانسي فارس، ويفتحن قلوبهم على أكثر الأشياء التى تؤلمهن من وقت مجيئهن إلى مصر، فتقول خديجة أو "أم آية" كما يلقبها جيرانها، التى كانت تعمل مضيفة جوية في الخطوط السودانية، و تتحدث الإنجليزية وتسافر عبر العالم، أنها أتت الى مصر أول مرة للعلاج.

ولكن بعد عودتها للسودان فوجئت بخصخصة الشركة وتسريح العاملين بها "مالقيتش وظيفة في السودان فجيت على مصر، وقدمت في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، وفي فبراير 2013 قبلوني لاجئة في مصر" ، بحسب شهادات نشرتها "مؤسسة المرأة الجديدة" .

على مدار التاريخ كانت مصر هي الملجأ لآلاف بل ملايين السودانيين هربًا من الأوضاع غير المستقرة في بلادهم .

وتحكى خديجة عن سبب مجيئها إلى مصر فتقول "جيت مصر علشان ألاقي شغل سهل، ورغم إن الشغل مش عيب بس أنا بشتغل من 8 الصبح لـ5 من غير راحة وده خلاني أتعب،" متابعة "سكان العمارة بيقولولي ماكناش نعرف إن السودان فيها حد فاهم وواعي كده، بس اللى مايعرفكش يجهلك. المواصلات والسوبر ماركت والناس في الشارع الكل بيضايقنا."

لينك التقرير الكامل على موقع "السين": اضغط هنا 

وتابعت "السين" في تقريرها أنه قبل عام 1995 كان الرئيس الأسبق مبارك يسمح بدخول اللاجئين إلى مصر دون تأشيرة تحت اتفاقية "وداي النيل"، لكن بعد حادث "أديس أبابا" ألغيت هذه الاتفاقية وتم فرض قوانين صارمة على وجودهم في مصر. على الرغم من وجود أغلبهم كلاجئين تحت اتفاقية وقعت عليها مصر، إلا أن مصر ترفض إعطاءهم أعمالًا لائقة في أغلب الأحيان.

تعرضت خديجة للخطف ومحاولة الاغتصاب مرة، لكنها قاومت وأصبحت نصيحتها الأولى لطفلتها "لو حد كلمك صوتي، ارمي عليه تراب، عضيه، ماتسكتيش".. وترى المضيفة السابقة أن السبب الوحيد لكل ذلك هو أنها "لاجئة".

وترتاد آية ابنتها مدرسة سودانية، فتقول عنها "كانت كبيرة مش هتقدر تتأقلم على المدرسة المصرية بسرعة" لكن طفلتها التي لا تملك أصدقاء مصريين أصبحت تكره مدرستها، لأن الجميع يقول إنها مدرسة للاجئين، “ماعندهمش ثقافة إن دي مدرسة سودانية عادية واللاجئ بيدرس فيها" تقول خديجة.

 وتضيف "المرأة الجديدة" أنه وعقب حادث 2005 حينما فضت الشرطة المصرية اعتصام لأكثر من 3000 لاجئ سوداني أمام مفوضية اللاجئين وقُتل أكثر من 25 وفُقد أطفال، لم يلجأ السودانيون للاعتراض مرة أخرى واكتفوا بالصمت.

كانت خديجة تلتقي بجميع الجنسيات والألوان بحكم عملها مضيفة جوية، ولا تفرق في معاملتهم، أما الآن أصبح لون بشرتها "سبة" توجه لها، فتقول "ربنا خالق الأسمر والأبيض والأحمر وكل الألوان، ليه تشتمني وتقولي روحي يا سودا أو يا غيره، مانا زيي زيك وماختارتش لوني" وأضافت "لو عيل صغير بقوله أنا قد أمك، لكن لو راجل كبير وفاهم، هعمله إيه؟!".

على الرغم مما تعانيه خديجة، لا تفكر أبدًا في العودة لوطنها، فلن تجد عملًا مناسبًا لها، ولم تفكر بالهجرة خارج مصر إن أتتها الفرصة، "أنا عايزة أربي عيالي زي مانا اتربيت، العيشة في بلد غير عربية مختلفة" وأضافت "أنا عارفة إني لاجئة؛ اللجوء من الحوجة، أنا محتاجالك وضيفة في بلدك، مش لازم تحسسني بالاحتياج ده كل شوية".

أما "سيدة" فهى لاجئة أتت لمصر عام 2015 لتلتقي بزوجها الذي سبقها وسافر لمصر، وهى تحلم بحياة أفضل لأولادها قائلة "أهم حاجة أوفّر لابني تعليم وأكل وشرب، ده كل اللي كنت بحلم بيه" ولكن سرعان ما أفاقت من حلمها، فأينما ذهبت يتهمها الناس بأنها سبب غلاء معيشتهم .

"انتم غليتوا السكن، وأخدتوا حاجاتنا وأشغالنا، أنتم اللي وديتونا في داهية "تلك العبارات تسمعها دائمًا الأم سيدة التي تتحمل ولكنها ترفق بحال طفلها، "احنا ممكن نتحمل ده لأننا كبار بس ابني لما بيطلع وبيقولوله أنت سوداني وأسمر ويعايروه بيرجع يعيط ويزعل "تحكي سيدة .

وعندما تضيق بها الدنيا تقول "نلجأ لرب الدنيا نبكي في حضرته ونتضرع لعلنا نجد إجابة "، فلجأت سيدة لله ولكنها وجدت عباده يمنعوها عنه، قائلة "في المسجد لما بقف في الصف قدام بيقولولي ارجعي ورا، بيقولوا كدة علشان لوني، وأنا بقولهم إن لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوي، بس مش بيقبلوا أقولهم حاجة" .

والحكاية الثالثة لـ كريمة التي كانت تسكن شمال دارفور، وهربت من الصرعات الموجودة بالسودان "المنطقة اللي كنا فيها انحرقت بالكامل في صراعات بين الحكومة والشعب، واتنقلنا منطقة تانية وفضلنا عايشين في معسكر من 2005 لغاية ما جيت مصر في 2015".

 ولم يكن هذا السبب الرئيسي لهرب كريمة وأولادها التسعة من السودان الصراعات السياسية فقط، و لكن وجع طفلها "سنان" البالغ من العمر الآن 17 عامًا، الذي تعرض للتحرش، فتقدمت بطلب الجوء لمصر عام 2015.

واختفى "سنان" بعد مجيئه للقاهرة ولم تعرف له مكان، أما سامي فذهب للحرب في اليمن مع القوات السودانية، وبقية أطفالها يعيشون معها في بيتها، "في العمارة كل شوية حد يقولي أنتم 9 عايشين ازاي، عزلنا 3 مرات بسبب الموضوع ده، طيب أولادي أرميهم في الشارع؟!" تقول كريمة وهي تبكي.

وتروى كريمة انها ذهبت للشرطة لتشكو من اختفاء ابنها قائلة "الظابط قالي منين جايبة التسع عيال؟ من السوبر ماركت؟ وبتربيهم ازاي بقى، المفروض تفرحي إن واحد مشي"، ثم جاوبته "لو ماكنتش عايزة عيالي كنت سيبتهم يموتوا في الحرب"، ولم تخط قدميها عتبة القسم مرة أخرى، على الرغم من أن المعاملة السيئة وصلت حد قطع قميص ابنتها وضربها بالطوب في الشارع.

 ولا تسلم ليلى ابنة كريمة الطالبة الجامعية في مصر، من المضايقات داخل الحرم الجامعي، كل حرف تتعلمه تتحمل أمامه عشرات الكلمات من السباب، تقول ليلى  "مافيش مصري بيرضى يقعد جمب سوداني أبدًا في الجامعة، ويفضل يقولنا أنتم ليه لونكم كدة؟ وسخانين، إيه القرف ده" “وهذه الكلمات الأكثر جرحًا لها.

"الامتحان أمتى؟" ،"هنذاكر إيه النهاردة"، تلك الرسائل المتداولة على "جروبات" الجامعات المصرية، أما لليلى رسائل أخرى، فتجد من يتهامس مع زميله عليها "شوف لونها عامل ازاي؟" وعندما تضحك تسمعهم يقولون "إيه ده هما بيضحكوا زينا؟!" .

وقبل التحاقها بالجامعة عملت "ليلى" في محل سوري، استأجر رب العمل لها سيارة تقلها خوفًا عليها من التعرض للمضايقات في الشارع، قائلة "قالي احنا لاجئين زي بعض وأنا فاهم بيحصل معاكي إيه"، لكن بعد تركها للعمل واحتكاكها بالحياة الجامعية لم تجد من يحن قلبه كما الرجل السوري، "الناس بتقولي في الشارع يارب تموتوا ماحدش هيسأل عنكم، أنتم جيتوا عندنا ليه".

فتبكي الفتاة وهي تقول "أنا بقول لأمي لو كنا قعدنا هناك ومتنا وسط أهلنا وناسنا أحسن ما نيجي وسط ناس مش متقبلينا"، و ترى ليلى أن الشعب المصري أصله أسمر وعلى الرغم من أن جيرانها في العمارة تميل بشرتهم للون الأسود، لا يرون ذلك، "هما شايفين إننا بس اللي مختلفين رغم إنهم مش بيض".

"أسمر" هي التهمة - حوار مع لاجئات سودانيات

 

 

 

التعليقات