فريدا كاهلو.. رسامة ولد إبداعها من رحم المرض وتوارت سيرتها الفنية حتى رحيلها

 

فريدا كاهلو، سيدة قسمت لها أقدارها مقداراً هزيلاً من السعادة والاستمتاع بلحظات نشوة الروح، فكتبت لها رحلة عمرية قصيرة بسنوات بائسة يخالطها بضعة من أيام الحب والنشاط وإبداع متفرد لم تذق رواجه وهي على قيد الحياة.

ولدت الرسامة المكسيكية "الرائعة" كما أطلق عليها الرسام العالمي "بابلو بيكاسو" لأب ألمانياً مهاجراً، كان يسعى لغرس النشاط بداخلها ويدفعها إلى ممارسة أوجه الرياضات المختلفة كالسباحة وكرة القدم، ولم يمض وقت طويلاً حتى بدأت القيود تداهمها فأصيب في عامها السادس بشلل الأطفال الذي أعجزها عن التحرك بسلاسة، ثم واجهت الطامة الكبرى بعد سنوات عندما اصطدمت حافلة كانت تقلها بسيارة ترام نفذت على إثرها قطعة طويلة من الحديد بداخلها أدت إلى كسور مضاعفة بجسدها وأطرحتها الفراش لما يقرب من عام كامل.

ولكن سرعان ما تحول هذا الفراش اللعين  لرحم ولدت منه فريدا على نحو مختلف، فبعد علمها بتفاصيل مرضها آنست فريدا وحدتها بمرآة عُلقت بسقف غرفتها لتحفظ من خلالها تفاصيل وقسمات وجهها الحزين، وقررت بعدها أن تحيي نشاطها بالرسم على وضعيتها فذهبت معظم رسوماتها إلى تصوير ذاتها من خلال بورتويهات تجسد ما يلم بها، وخرج أغلبها يعكس حالة من التمزق النفسي تهيمن عليها كذلك، فكان الملفت أنها دائماً ما كانت تغالي في رسمها لبعضاً من ملامحها بشكل يطمس معه ملامح الأنوثة، من خلال تكثيف شعر حاجبيها المتصلين وإظهار مزيداً من الشعر فوق شفاها.

وبعد مرور فترة مرضها أستمرت بالرسم حتى كونت أرشيفاً زاخراً باللوحات، سجلها كرسامة لها قدرها بإنتاجات فنية رائعة، الأمر الذي خفف من وطأة معانتها و أعاد لها روحاً متجددة على الحياة، فتزوجت من الرجل الذي أحبته ورأت فيه مثلاً أعلى " ديجو ريفيرا"، ودخلت في صراع مع والدتها التي رفضت الزيجة لفارق العمر بينهما، فقد أطبقت فريدا عيناها عن كل شيء، وتركت شعورها نحوه يقودها لتكن على موعد آخر من تعسات القدر، فعاشت حياة مضطربة مع زوجها ريفيرا تأرجحت بين الانفصال والاستقرار والخيانة، وعلى هامش علاقتهما فقد فعانت فريدا من عدم ذكرها كفنانة منفردة بلوحاتها بل دائماً ما اشتهرت في دولتهما كزوجة رسام الجداريات الشهير ديجو ريفيرا.

كذلك كانت فريدا تشتهي الأمومة بقوة، ولكن الحلم عصف به القدرين مرضها واضطرابات حياتها الزوجية، فمرت بسلسلة من الإجهاضات مع كل تجربة حمل لها.  

«مررت في حياتي بحادثين فادحين شديدي الخطورة، أولهما حادثة الحافلة، وثانيهما زوجي ديجو، والذي أعتقد أنه الحدث الأكثر فداحة بين الحدثين».

مع مرحلة زواجها التفتت فريدا إلى النشاط السياسي بجانب الفن، وانضمت إلى الرابطة الشيوعية الشابة والحزب الشيوعي المكسيكي.

بعد أسبوع من ذكرى ميلادها السابعة والأربعين، توفيت فريدا كاهلو في منزلها الأزرق الحبيب. كانت هناك بعض التكهنات حول طبيعة وفاتها. وأُفيد أن سبب ذلك هو انسداد رئوي، ولكن كانت تكهنات حول انتحارها بجرعة زائدة من دوائها بعد بتر ساقها اليمنى ومعاودة الآلام، كذلك فإنه تم حرق جثتها ووضع رمادها في صندوق بمنزلها.

بعد فترة طويلة من رحيلها تم الانتباه لإرثها الفني، حيث تم تحويل بيتها الأزرق كمتحف، وساعد كتاب سيرتها الذاتية الذي نشرته الكاتبة و المؤرخة "هايدن هيريرا" على الترويج عن قصتها في العالم كله كذلك تم إنتاج فيلماً عن حياتها عام 2002 بعنوان فريدا من إخراج جوليا تيمور وبطولة سلمى حايك وأيضاً فيلم Frida, naturaleza viva الذي حقق نجاحا واسعا.

إضافة إلى اقتناء متحف اللوفر لأحد لوحاتها ووجد في مذكراتها أحد رسائلها عن الموت التي قالت بها "أتمنى أن يكون خروجي من الدنيا ممتعاً وأتمنى ألا أعود إليها مرة أخرى".

التعليقات