حمّور زيادة يكتب: فاطنة السمحة.. خالعة أنياب الغول

 

الأطفال يا فاطنة بيغنّو

الأفراح لابد من ترجع

***

ما عرفت فاطمة أحمد ابراهيم بشكل شخصي، لكن عينيّ اكتحلتا برؤيتها أكثر من مرة عن بعد، ما بين مناسبات عامة ومناسبات اجتماعية خاصة. كانت بالنسبة لي سيدة أسطورية لم أجرؤ يوماً على الاقتراب منها.

قبل أيام تعثرنا مصادفة بسيرتها أنا وأمي وسط حديث عن الذكريات من الذي تهواه والدتي وأحبه أنا. كانت تحكي عن ذكرياتها أمام البرلمان السوداني في 1965 يوم حل الحزب الشيوعي الذي كانت تنتمي إليه. ثم قادتنا الذكريات إلى فاطمة أحمد ابراهيم.

حكت لي عن مسيرات الاتحاد النسائي التي كانت فاطمة تقودهن فيها ليخرجن ربات المنازل لدعم جميلة بوحيرد ( هذا اسمها الذي تحّرف لسبب مجهول ليصبح بوحريد )، وللتنديد بالعدوان الثلاثي على مصر ومحاصرة السفارة البريطانية في الخرطوم والهتاف بحماس ضد انطوني ايدن رئيس وزراء بريطانيا.

ذلك زمن كانت فاطمة أحمد ابراهيم تقود فيه ربات المنازل السودانيات ليهتفن ضد الإمبريالية في شوارع الخرطوم، قبل أن يأتينا نظام البشير لتخرج المسيرات منددة بمصرع أسامة بن لادن وتنادي به شهيداً!

***

"ظل تاريخها سلسلة من النضال "

الطيب صالح

 

***

فاطمة أحمد ابراهيم قطعة من الوجدان السوداني عموماً. فهي بشكل ما تماثل بينيلوبي زوجة أوديسيوس الوفية في الأوديسة. أو ايزيس المثابرة لإحياء أوزوريس في الميثولوجيا الفرعونية.

إنها فاطنة السمحة (فاطمة الجميلة ) في التراث الحكائي السوداني، التي صارعت الغول وخاضت نيران الساحرات لتحمل بنات جنسها إلى قمم بعيدة.

المرأة التي قرر الحزب الشيوعي ذاته مصير زواجها، لكنها عاشت عقوداً بعد اعدام زوجها المناضل العمالي الشفيع أحمد الشيخ تحاول الثأر له من قاتله. لم تسامح جعفر نميري الرئيس السوداني الأسبق على اغتيال الشفيع.

أذكر بشكل مبهم في طفولتي لما انتشر خبر القبض عليها وتقديمها لمحاكمة بتهمة شتم نميري في مطار الخرطوم. سألها القاضي عن شتمها للرئيس أفجابت بتأكيد شتمه وشتمت القاضي ذاته.

يحكي عنها الروائي العالمي الطيب صالح:

" هي مناضلة شرسة، أذكر انني شاهدتها في البرلمان السوداني في عام 1966م تواجه رئيس الوزراء السوداني (محمد أحمد محجوب)- وهو رجل مشهور بقوة العارضة والفصاحة والبيان- مواجهة اعيت الرجل! "

***

" لولا فاطمة و رفيقاتها لما كنا هنا، نحاول فهم مستجدات واقعنا و نقاوم بأشكال و أفكار مختلفة.

لولا فاطمة و رفيقاتها لكنا حتى الآن نخوض في جدل المطالبة بالأجر المتساوي مع الرجال (و هو جدل قائم حتى الآن في دول كثيرة بينها بريطانيا)

إرتفع صوتنا نتيجة طريق مهدته فاطمة و رفيقاتها و حزبها الشيوعي السوداني. "

ولاء صلاح - أول رئيسة لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم

***

فاطمة كانت كبنات زمانها ابنة لأسرة متدينة. فكان التحدي أمامها ان تقدم نموذجاً شيوعياً يطمئن المخاوف التقليدية ويكذّب هجوم اليمين الذي يحدّث الناس عن كفر اليسار وانحرافه.

تقول لي أمي انهن في ام درمان القديمة كن يخرجن لنشاطات الاتحاد النسائي بغطاء سمعة فاطمة أحمد ابراهيم. إن كن مع فاطمة فذلك أمان. في مرة ذهبن - مجموعة من بنات اليسار - لندوة نسوية تخاطبها قيادية اسلامية، منحها نظام البشير لاحقاً لقب أم أفريقيا، فخاضت القيادية الاسلامية في سيرة فاطمة. فهاج الحضور من مواطني الحي وقاطعوها. قالوا لها "انت جاية تكلمينا عن الدين وله جايه تنبزي فاطمة؟ ". ثم انفض الناس عن الندوة غاضبين.

في رام الله بفلسطين أبريل 2016، بمتحف محمود درويش، وقفت سيدة تسألني عن صورة المرأة في رواياتي، وأنها تبدو ضعيفة مقهورة وهذا لا يشبه سيرة الرائدات السودانيات المعروفات مثل فاطمة أحمد ابراهيم ونضالها الطويل.

في قلب فلسطين كانت فاطمة حجة ورمزاً.

***

" كان من الممكن أن يموت الشفيع في التاريخ نفسه بحمّى أو سكتة قلبية على سريره، ولكنه مات ميتة الأبطال يغبطه عليها المؤمنون بالله وبشعبهم . لقد مات وهو يهتف بحياة شعبه وكفاح الطبقة العاملة، وهو محتفظ بكامل وعيه وثباته"

فاطمة أحمد ابراهيم - رسالة إلى الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري

***

عاشت فاطمة مخلصة لما آمنت به. عانت من المرض ومن الدكتاتورية طول عمرها. السكر أقعدها لفترات طويلة وشاكسها. والطغيان حاول أن يسكتها. لكنها ما خضعت لمرض ولا سلطة. فاطمة نموذج فريد اختلفت معه أو اتفقت. لكنها نغمة مهمة في مقطوعة الهوية السودانية لا السياسة فحسب.

اليوم تمضي اختك يا صلاح إلى دار أرحب ومنقلب نرجوه أطيب. بعدما أدّت فرضها لوطنها، ارتفعت كأبطال الأساطير الذين تشبههم إلى سماوات أخرى.

فاطمة جائت من ذات المكان الذي يأتي منه الأبطال والفرسان والقديسات والشهداء، ولابد انها الان ذهبت إلى ذات المكان الذي إليه يذهبون.

ودعناك الله والرسول يا فاطنة

***

ﻭﺍﺣﻼﻟﻰ..

ﺃﻧﺎ ﻭﺍﺣﻼﻟﻰ

ﺃﺭﻳﺘﻮ ﺣﺎﻟﻚ ﻳﺎﺑﺎ ﺣﺎﻟﻰ

ﺍﻟﺸﻔﻴﻊ ﻳﺎ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻰ

ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺼﺎﻧﻊ

ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﺣﻰ

ﻭﺍﺣﻼﻟﻰ..

ﺃﻧﺎ ﻭﺍﺣﻼﻟﻰ

محجوب شريف  - مرثية الشفيع أحمد الشيخ

التعليقات