هبة خليفة.. خبل الفوتوغرافيا الجميل!

"حكيُ السيرة الذاتية عن طريق الكاميرا ليس مسألة بسيطة. لا يمكننا من خلال الصورة أن نعرف أين يبدأ الحدث وأين ينتهي. القصة مفتوحة على كافة الاحتمالات. الأسئلة والتصورات عن النفس هي التي تتبدل.. يقولون إن الجنة تحت أقدام الأمهات، ولا يتكلم أحد عن الأمومة المقيدة.. (بأمومتي) أجد نفسي غير قادرة على مغادرة البيت. غير قادرة على السير في مظاهرة. أحبس أنفاسي جالسة على الكرسي أمام التلفزيون بينما تطير الطائرات الحربية في سقف الغرفة ويملأ الغاز المسيل للدموع المطبخ.. تربطني طفلة رضيعة إلى جوارها يتعلق فمها بصدري أغلب الوقت"

الفنانة التشكيلية والمصورة الصحفية هبة خليفة عن مشروعها التوثيقي الفوتوغرافي "من الداخل"

هبة خليفة فنانة تشكيلية مصرية ثلاثينية ذات شعر قصير وعينين متأرجحتين بين الزرقة والرمادية!

 

 

امرأة شابة لا يسهل تكييفها، فهي أم مشربة بتقاليد الأمومة المصرية التي ورثتها عن أمها، وهي في الوقت ذاته فنانة مصرية ثائرة مشربة برفض البالي والمقيّد.

لم تبتعد هبة في سنوات عمرها المهنية الأخيرة عن الفن التشكيلي، بل اختارات اكثر أشكاله جرأة لتغوص فيه بوجدان وعيي كامل ليخرج إلى النور مشروعًا تشرب الجرأة حد النضج: السيرة الذاتية المصورة.. المشروع الذي تستخدم فيها هبة خليفة جسدها ضمن أخريات كموضوع وأداة للتعبير.

كانت أولى صور هبة خليفة الفوتوغرافية التي اقتحمت عيني ومنهما وجداني هي تلك الصورة التي تجلس فيها أمٌ عامرة الجسد تلتصق بشريط لاصق إلى كرسي ضخم وعلى ساقيها تجلس طفلة صغيرة في عمر السير وتعلُّم الكلام.

إنه الوجه الخفي للأمومة الذي يكاد يُنكره الجميع والذي أصرت هبة خليفة على صدم العيون به.. هي أحاسيس الملازمة وافتقاد المساحات الخاصة وفقدان القدرة على الخروج إلى الحياة بخفة وحرية كسابق العهد وما قبل تجربة الأمومة.. إحساس امتلاء الجسد وثقله ببقايا الحمل وبالتصاق الرضاعة الحميم.. الإحساس بأن صخب العالم قد تجمّد مؤقتا، وأن الحياة مُعلّقة لحين ينصلب عود الصغير قليلا على الأقل بما يسمح بشيئ من الحركة ..من الالتحام بالآخرين اللاهثين وراء أمور أخرى غير تغيير الحفاضات..أحاسيس لا تعرفها إلا الأمهات، وإن كانت لا تعبر عنها في مجتمعنا إلا المصابات بذلك الـ "خبل الجميلمن أمثال هبة خليفة!

 

والحقيقة أنك إن تحدثت لهبة عن تلك الصورة تحديدا ستعرف أنها تلقت عليها تعليقات نسائية توبيخية من نوعية "ولما انتو مش قد الخلفة بتخلفوا ليه؟!وهذه الصورة الإشكالية بالذات هي إحدى البوابات لعالم هبة خليفة المليء بالنساء وتفاصيل النساء وما يحكين وما يصمتن عنه...

"أنا أم لبنت جميلة اسمها ورد ..أنا لوحدي متحملة أعباء ورد ودة صعب جدا لما تكوني عايزة تشتغلي وتنجحي في بلدنا.. أصحاب الشغل عايزين يلتهموا طاقتك ووقتك ومش مهم دور الأم اللي بتقومي بيه، وقانون العمل مش منصف.. وكأن الأطفال اللي بنضطر نهمل في تربيتهم دول مش حيطلعوا للمجتمع بعد كدة أفراد مشوهين.. وكأن تربيتنا ليهم مش خدمة طويلة الأجل للوطن، والمحظوظات فقط هم اللي بيقابلوا صاحبة عمل داعمة زي المصورة الصحفية راندا شعث في خبرتي".

لكن هبة خليفة تؤكد مع ذلك أنه لا تقايض على أمومتها، وأنها لن تسمح لنفسها كذلك بأن تبتز ابنتها "ورد" فيما بعد بإخبارها كيف أنها بذلت لأجلها التضحيات الشخصية أو المهنية كي تبني منها إنسانة حرة ومتزنة وصالحة..بل إن هبة التي استرجعت مع "مصريات"تفاصيل ارتجافات أمومتها الأولى وخوفها من وعلى ذلك الكائن الصغير الضعيف الذي خرج من بطنها ليعتمد بالكامل عليها، تقول بملء الفم إنها فخورة بأمومتها سعيدة بها ولا مانع لديها في أن تكرر تجربة الأمومة مرارا أخرى إن أتاحت لها الحياة ذلك!

في عالم هبة خليفة المصور ليست صورة المرأة المُلصقة إلى كرسيها "بالشيكرتونهي الأكثر غرابة ونفاذا في التأثير، فقد تُصاب بنفس الصدمة البصرية حين تُطالع صورة بعدسة هبة لامرأة مصرية  ترتدي قناع V For Vendetta   الرمز الثوري الأشهر عالميا، بينما تلملم الغسيل من على حبلها وتطبقه تمهيدا لترتيبه في الدولاب!

 

إنها الثائرة المصرية بكل "عبلها" وجمالها وكل التغيرات التي طرأت  مع الثورة على حياتها العامة والخاصة وألزمتها بإعادة اكتشاف وطنها وبيتها معا.. هي أنا وأنت وكل مصرية لم يكد يدخل أحد إلى ساحات بيتها الخلفية ليرى ما فعلت نشوة الثورة وندوبها في روحها.

هنالك صورة أخرى معبرة لذراعي امرأة (هي شقيقة هبة خليفة التي وضعت تعبيرية جسدها يبن يدي شقيقتها لإنجاز المشروع)، الذراعان مكسوان بأكمام شعبية مزركشة وموضوعان على طاولة الطعام وأحد اليدين تأكل من صحن مملوء بالزلط!

مشروعي الفوتوغرافي "من الداخل" هو توثيق لسيرتي الذاتية في بعضه ولحياة المرأة المصرية في مجمله.. مع المشروع دة أنا حاولت أكون مش مكسوفة من التصوير جوة البيت.. في المطبخ، عند حبل الغسيل،على ترابيزة السفرة..  باحاول أنقل صورة الست المصرية الشقيانة، برجليها المتوسخين من الشقا طول اليوم في خدمة عيالها وبيتها.. فيه صورة في المجموعة صورت فيها رجليا وهم متوسخين وأنا نايمة في السرير جنب ورد.. كان لازم أتعلم أبطل كسوف من وجهي الآخر: الوجه الشقيان.. ده جزء من حقيقتي.. بعد ما اتعرضت الصور دي شفت في منامي رؤيا أعتقد انها كاشفة.. شفت نفسي واقفة قدام مراية وشعري منكوش ولبسي مقطع ومتوسخ وأنا واقفة أتطلع لهيئتي وحاسة بالعار والخزي من مظهري.. بعدها اتحركت المراية وبقيت واقفة قدام مراية تانية بنفس مظهري المنكوش والمتوسخ، بس انتهى الإحساس بالعار.. كنت شايفة نفسي أجمل.. هي دي النقلة اللي حصلت بداخلي مع مشروعي، وهي نفس الصورة اللي المجتمع محتاج يشوفها بتسامح ووعي أكبر".

صورة أخرى أشركت هبة "مصريات" في مطالعتها وتأملها، هي صورة ساقي الفتاة المكسوتين بجورب  نايلون مملوء بالإبر المدببة ويدا الفتاة تعبثان في الإبر، لكنك لا تدري إن كانت تحاول أن تنتزع الإبر من حول ساقيها أم أنها تزيد في انغرازها في اللحم..عن هذه الصورة التعبيرية المثيرة للألم تقول هبة:

"الصورة جزء من مجموعة أكبر موضوعها الجسد...إحنا من أول ما بنتولد كإناث علاقتنا بأجسادنا بتكون معقدة، وبنعيش سنين مشغولين بحراسة الجسد دة من الطامعين والمتلهفين! بنعيش سنين مشغولين بتسليمه "صاغ سليم" لصاحب النصيب.. وكل التغيرات اللي بتطرأ على أجسادنا ما تخصناش إلا بالقدر اللي بتشغل بيه المجتمع، وكأنها مش أجسادنا.. حتى التجاعيد لما تظهر على بشرة الست، ما بيهمهاش التغير اللي بيطرأ على وجودها وكيانها المادي بقدر ما بيشغلها انها مثلا بتكبر من غير ما تكون اتجوزت أو خلفت، وبالتالي الناس حتقول عليها وتقول! البنت في مجتمعنا مابيشغلهاش جسدها إلا بقدر ما هو موضوع للنظر والنميمة.. وبالتالي بتعيش عمرها كله معزولة عن جسمها، وبتظل علاقتها بيه اجتماعية مش ذاتية..في صورة الساقين كل الاحتمالات متاحة: الصورة فيها تذكير بالألم.. بطول المشوار.. بشعر الجسم القبيح اللي بتحرص كل بنت على انها تداريه أو تنزعه.. بالإجهاد.. احنا حتى مش عارفين حركة الإيدين في الصورة رايحة ولا جاية.. بتخرج الإبر ولا بتثبتها.. كل الاحتمالات واردة وكل الأحاسيسس ممكنة".

 

وتستكمل حاليا هبة خليفة مشروعها التوثيقي بدأب آملة أن تنهيه في موعده المقرر، وإن كانت تجد تحديا في تحفيز الفتيات على التعبير عن أجسادهن أمام عدستها.

"أنا متفهمة صعوبة تعبير البنات عن أجسامهم.. الحكايات اللي ورا الأجساد دي مش بسيطة ولا سهل التعبير عنها.. دي أجساد في خبرتها تحرش ختان وعنف وحب ورغبة وحشمة مفروضة أو مرفوضة.. وطبيعي إن البنات تتردد في التعبير في المساحات دي.. وطبيعي إن بنت بعد ما توافق على المشاركة في جلسة تصوير ترجع تطلب إن صورتها ما تخرجش للنور.. لكن أنا دايما بأقول إن البنات لما بيشوفوني أنا نفسي باحكي حكايتي وباحط جسمي كموضوع وأداة للتعبير قدام الكاميرا، بيتشجعوا يحكوا حكياتهم ويشركونا في حكاياتهم".

 

وأخيرا فإن هبة ترفض حصر نفسها في مساحات "فتوغرافيا المرأة"، فمشروعها كما تراه أوسع مدى وأكثر إنسانية من أن يقتصر على النساء دون الرجال، والتوثيق لمجتمع لا يكتمل دون أن يضم الرجال كما النساء.

"لكن الرجالة أقل جرأة في التعبير عن نفسهم من الستات! لكن لو أطلعوني على عالمهم الداخلي أنا ماعنديش مانع أتجول فيه بالكاميرا".

 

 
التعليقات