نساء صنعن تاريخ مصر: (1) وداد متري.. الراهبة في محراب النضال حتى الثمالة

"رشحت نفسي في اتحاد الطلبة والطالبات 1952 ونجحت، كانت معركة الانتخابات بيننا وبين الإخوان المسلمين، وكانوا يقولون حينها لعن الله قوم ولوا شئونهم امرأة".

 

كثيرات هم، النساء صاحبات التأثير في التاريخ الفكري والثقافي حول العالم، واللواتي ساهمن كناشطات وقائدات ومشاركات في الحركات السياسية الهادفة للتغيير، وتعد "وداد متري" أحد أهم النساء ذوات التأثير الكبير على الساحة السياسية والثقافية على مر التاريخ.

 

وتعد وداد متري, أول امرأة منتخبة لإتحاد الطلاب بجامعة القاهرة 1952, وواحدة من أهم رموز الحركة الوطنية اليسارية, وأهم المناديات بحق المرأة في التصويت والانتخاب, نزلت إلى الريف وعملت بجد لتشجيع النساء على الإدلاء بأصواتهن في الانتخابات من أجل عدالة ومساواة لجميع المواطنين.

 

ولدت وداد بحي شبرا في التاسع من ديسمبر عام 1927, حصلت على ليسانس الآداب – قسم الفلسفة من جامعة القاهرة عام 1952, رشحت نفسها في انتخابات اتحاد الطلبة والطالبات 1952 ونجحت.

 

تقول وداد، عن تلك المرحلة "كان أول رد فعل الفرح الشديد باعتبار أن ما حدث هو تتويج لكفاح الأجيال على مدى سنين طويلة وخاصة بعد تنازل الملك عن العرش وتركه البلاد. تعرفت على الفكر الماركسي في أوائل الخمسينات وكنت طالبة في الفترة من 1948 إلى 1952، ومن خلال صداقات شخصية ببعض الماركسيين. في الحقيقة يعتبر عدلي برسوم أول إنسان تحدث معي في مبادئ الشيوعية. بدأ يتناقش معي في أن هذا النشاط كله يجب أن يكون منظما ويكون مدعما بنظرية حتى يكون أكثر فائدة ومن خلال المطبوعات آمنت بهذا الفكر وتحمست له وكأنني كنت معدة له من قبل".

 

عملت وداد بالتدريس لمدة سبع سنوات وهي أول من قدمت برنامج تدريس في الصحافة المدرسية, كما أسست ما يسمى بالجمعية الفلسفية ومن ضمن النشاط الذي قامت به في الجمعية أنها أحضرت تصريحا للطالبات بزيارة سجن النساء للدراسة، تروي وداد عن ذلك.

 

تقول وداد، "كانت لدى الطالبات تصور أنهن سوف يقابلن المجرمات وتاجرات المخدرات، وعند زيارتنا لسجينات الرأي والمعتقلات السياسيات قلت لهن: هذا لتعرفوا أن هناك نساء سجنوا من أجل التمسك برأيهن ومبادئهن".

 

ساندت المرأة طويلا حيث طالبت بدور حضانة للعاملات، والالتزام بساعات الرضاعة، وغيرها من المطالب التي تمس بشدة المرأة العاملة، والتفت حولها النساء خاصة العاملات والمدرسات، عندما شعرن بأهمية هذه المطالب لهن.

 

كما انضمت وداد للجنة المرأة في المقاومة الشعبية -التي أسستها النسوية سيزا نبراوي- وذلك للعمل على مساندة الميليشيات التي تحارب الإنجليز في قناة السويس.

 

وناضلت وداد من أجل جلاء الإنجليز عن البلاد, ومع تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر حولت وداد المدرسة التي كانت بها إلى مركز خدمة اجتماعية بمساعدة شاهندة مقلد وناضلت من أجل حقوق الفلاحين, كما عملت على تعبئة نساء شبين الكوم لبذل الجهود المتعلقة بالحرب من خياطة الملابس للجنود وتدريبات للتمريض وحملات للتبرع بالدم وحتى التدريب على السلاح.

 

دفعت ثمن نضالها شهور من الاعتقال, تحكي وداد تلك الفترة، وتقول: "أمضيت في السجن أربعة شهور وعشرين يوما من 10 يوليو حتى آخر نوفمبر, كان معي في وقت القبض علي الزميل العزيز والمناضل الشريف فخري لبيب وكان متماسكا وعظيما بينما كنت في حالة انهيار وارتباك شديد. فقد كنت أفكر في أسرتي التي كنت مسئولة عنها بعد وفاة والدي الذي لم يكن مر على وفاته شهران حيث أنني أكبر أخوتي وكنت الوحيدة التي أعمل وأساعد في مصاريف المنزل. وفي ليلة القبض علي كنا سنسافر إلى الإسكندرية بعد ساعات وقد أخبرتهم أنني سأخرج لفترة قصيرة لشراء بعض الطلبات ولكنني لم أعد".

 

بعد إطلاق سراحها عام 1960 تم نقلها من موقعها الوظيفي كمدرسة إلى وظيفة إدارية في وزارة التربية والتعليم, ورغم صعوبة ذلك عليها إلا أنها لم تستسلم , بدأت مرحلة جديدة من النضال وأصدرت مجلة للموظفين أسبوعية يتم توزيعها في سائر المحافظات, حيث ناقشت القضايا العامة ومشاكل العمال والمدرسين, كما نشطت في تلك الأونة في نقابة المعلمين, و في عام 1970 خاضت انتخابات مجلس نقابة المعلمين و فازت بفضل تاريخها ونضالها الطويل. 

 

رحلت وداد متري في هدوء في 18 يناير 2007 بعد ميراث عظيم من النضال والتضحيات من أجل أبناء وطنها الكادحين و بنات جنسها المهدر حقوقهن .

 

التعليقات