هبة رؤوف عزت.. نجمة المشروع الحضاري الإسلامي

لسنوات عدة كنت أتطلع لدكتورة هبة رؤوف عزت..سنوات كنت خلالها الطالبة المتابعة لأستاذتها بعيني الإكبار والنهم المعرفي، والفضول ناحية هذه السيدة الدؤوب دائمة الإنتاج والمتألقة في المؤتمرات والمنتديات بطروحاتها وموضوعاتها المتعلقة بالحضارة الإسلامية والدولة والمجتمع في الخبرة الإسلامية وغيرها من تلك الموضوعات التي لم يكد أحد يخوض فيها بإجادة وثبات مثلما كانت تفعل هي.
 
هي...هبة رؤوف عزت... بحجابها الفضفاض وابتسامتها الهادئة وانفعال وجهها حين تتحمس لقضية أو فكرة وحدة طرحها حين تهاجم خصما فكريا فرحا بما لديه.
 
لم أكن يوماً عضواً في تنظيم أو حزب أو أي حملة رئاسية..رغم كوني من أبناء الصحوة الإسلامية الأوسع في السبعينات والثمانينات..و كنت دوماً منشغلة بتطوير الرؤية الإسلامية سواء في قضايا المرأة أم المواطنة أم رؤية العالم وشروط تغييره في زمن العولمة أم في تناول قضايا التمدن والعنف..وكانت مقالاتي في نقد الاستبداد والتفكير في الاصلاح، وهو ما اعتبرته دوماً واجباً شرعياً في التفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياسي
 
 
دكتورة هبة رؤوف عزت أم لثلاث ابناء وهي باحثة وكاتبة صحفية ومدرس للعلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
 
ولدت هبة رؤوف في 25 مايو 1965، حصلت بكالوريوس العلوم السياسية تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف - جامعة القاهرة في 1987، ثم ماجيستير العلوم السياسية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف بعنوان "المرأة والعمل السياسي: رؤية إسلامية" عام 1992 ، ثم درجة دكتوراة الفلسفة في العلوم السياسية مع مرتبة الشرف الأولى في موضوع "المواطنة دراسة تطور المفهوم في الفكر الليبرالي" عام 2007.
 
كبرتُ وصورة هبة رؤوف تكبر معي... كبرت أنا وهي أيضا كبرت وازداد اشتباكها مع الحياة العامة شيئا فشيئا... فنشاط هبة رؤوف السياسي لم يبدأ بعد ثورة ميدان التحرير كما يعتقد البعض، بل قبل ذلك بسنوات. ففي 2005 كانت هبة عضوا مؤسسا لحركة "حماية" التي تهدف إلى حماية الناخب من خداع نائبه في البرلمان، ودشنت عام 2005 وقبيل الانتخابات الرئاسية بالبلاد حملة "سجين" لإطلاق سراح المعتقلين بمصر.
 
لكن الحملتين  لم تصمدا كثيرا كما لم تأتيا بنتائج تذكر، ففي ذلك الوقت ومنذ التسعينيات استمرت حملات الاعتقالات ضد آلاف الإسلاميين بموجب قانون الطوارئ وإن بدأت السلطات في الإفراج عن بعضهم بموجب مراجعات فكرية قام بها قادتهم أثناءاعتقالهم.
 
ثم جاءت أيام على مصر في وقت كان الارتباك هو سيد المشهد السياسي المصري والتصنيفات تطال كل الرموز والشبهات تحوك حول الجميع ...فهذا فلول وتلك إخوان وذاك مع الثورة وأولئك عناصر مندسة...لكن هبة رؤوف عادت إلى الساحة ونشطت وأبت إلا أن تشارك برغم صعوبة اللحظة وارتباك الرؤية.
 
وما زلت أحلم بمجتمع لا يستحي فيه الفقير من فقره، بل يستحي فيه الغني من التباهي بالترف
 
 ربما أصيبت هبة بشيء من الإنهاك أو الإحباط في بعض مراحل الثورة وما تلاها، ربما كذلك توارت شيئا ما عن الفضاء العام خاصة في مساحته الحركية.  لكن ظلت هبة رؤوف برغم كل تراب الصراعات السياسية في مصر تحتفظ بمكانة "المرأة الأيقونة" التي تمثل الواجهة النسائية الأكثر إشراقا للمشروع الحاضري الإسلامي بكل مفرداته: الفكر الإسلامي، المجتمع الإسلامي، الدول ذات المرجعية الإسلامية، المرأة المسلمة، المفكر الشاحذ لتاريخ أمته الإسلامية والكثير من محاولات استعادة الحضارة العربية الإسلامية مكانتها على الخريطة العالمية...
 
يبدأ العقل المسلم وعيه بالمفاهيم والمعاني من كتاب الله، فهو منطلقه المعرفي وبوصلته المفاهيمية، والبحث عن المعنى لا يستلزم تطابق اللفظ وإنما استكشاف حقل الدلالة، فإذا كان لفظ الحرية هو المعبر عن معاني الإرادة والكرامة والاختيار فإن البحث عن المعاني المقابلة والألفاظ المعبرة عنها يغدو نقطة البدء والانطلاق.
 
 
حكاية هبة رؤوف والإخوان
 
 
علاقة هبة رؤوف بجماعة الإخوان المسلمين ظلت لسنوات محل جدل: هل هي منهم؟ تساندهم؟ لماذا تتوتر العلاقة بينها وبين رموز الجماعة من حين لآخر؟ ولماذا تحتد أحيانا في رد فعلها على تصريحات بعضهم؟
 
وأنا أرد على سؤال هل أنتمي للإخوان الذي أسمعه أحيانا بأنها تهمة لا أدفعها وشرف لا أدعيه، لكني سأظل وفية لقيم الإنصاف...إن أساءوا نردهم وبقوة, وإن أحسنوا ننصففهم وبقوة وقد فعلت في الاتجاهين: كتبت مقالات هاجموني عليها... منذ ثلاث سنوات طالبتهم بالتغيير – أيام أستاذ مهدي عاكف- وكتبت أنصفهم حين زايد البعض وقالوا صوت المتعلم بصوتين في الانتخابات وقفزوا على خيارات الناس ونصبوا أنفسهم نخبة
 
 
بهذه الكلمات التي نشرتها هبة رؤوف على صفحتها على فيسبوك عقب الثورة أوجزت مايربطها بجماعة الإخوان، وإن كانت تبدو الرابطة بينهما من خلال هذه الكلمات متأرجحة وأقرب إلى نمط "الفعل و رد الفعل" منها إلى العلاقة المستقرة ذات الطبيعة التشاركية التبادلية.
 
لكن الثابت أن هبة رؤوف وإن كانت تحظى بالكثير من الاحترام في أوساط الشباب عموما، فإن لها مكانة خاصة لدى شباب جماعة الإخوان المسلمين.
 
في عام 2008 اهتم الاعلام المصري بدعوة الدكتورة هبة رؤوف، لجماعة الإخوان المسلمين للانسحاب من البرلمان، وتشكيل حكومة موازية، ودعوتها مرشد الجماعة للتنحي، وإفساح مجال أكبر للمرأة والشباب، وقد أثارت دعوتها جدلا كبيرا خاصة في أوساط الجماعة التي لم ترحب آنذاك بالطرح "الثوري". لكن دعوتها وانتقادها  لم يمنعاها  في  العام نفسه من أن تكتب مقالتها "في حفل زفاف الإخوان...نور على نور" لتؤازر بها أبناء المعتقلين من رموز الإخوان في مواجهة نظام مبارك المتعسف وآلته الأمنية القاسية.
 
مرت السنوات وئيدة مترقبة منذ تلك الدعوة وحتى جاء العام 2011...و لأن  2011 كان عاما فارقا في الحياة العامة المصرية عموما، فلم يكن مستغربا أن يعاد تشكل علاقة هبة رؤوف بجماعة الإخوان، فقد  توترت علاقتها بالجماعة عقب انتقادها التصريحات التي تصدر عن بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وتعليقها عليها عبر حسابها الشخصي على موقع "تويتر"
 
 ليست مشكلتي مع جماعة الإخوان أنها تسيطر على أعضائها، بل أنها في الحقيقة لا تسيطر بدرجة كافية، خاصة ألسنتهم.. وانتفاضات للبعض في غير موضعها محزن
 
ثم عادت دكتورة  هبة لانتقاد الجماعة في 2012  عقب الانتخابات الرئاسية لإحاطة من أسمتهم بـ "رجال الشاطر" بالرئيس مرسي، حيث كتبت عبر حسابها على "تويتر" أيضا قائلة: "الحملة غير الدولة.. وهم من رجال الشاطر..  آن أوان اختيار فريق له خبرة إدارية وسياسية.. نحن نحتاج كلاما واضحا عن علاقة الجماعة والحزب بالرئاسةكانت هبة في تلك الأثناء جزءا من جبهة وطنية استشارية هدفها حماية أهداف الثورة. و بعد فوز محمد مرسي بالرئاسة تم تشكيل لجنة فنية استشارية من عشرة أشخاص لمراجعة مسودة الدستور بالتشاور مع الجمعية التأسيسية، وكانت هبة من بين الأسماء العشرة...لكن مشورة أعضاء اللجنة لم تؤخذ بعين الاعتبار فانسحبت هبة من اللجنة مع سبعة آخرين لم يروا معنى للاستمرار في هذا المشهد الهزلي.
 
 بانتصاف عام 2013، وقبل 30 يونيو بأيام، كانت هبة قد وصلت إلى قناعة أنها لا تملك من الطاقة والوقت ما يكفي لخوض تلك المهاترات السياسية، على الأقل ليس على حساب ما تعطيه من  نفسها للتدريس والبحث الأكاديمي، فبدأ الصمت عن الكلام المباح.
 
ثم كان الاحتشاد لـ 30 يونيو واستجابة الجيش للاحتشاد الجماهيري بإسقاط نظام الإخوان، وعن هذه اللحظة تقول هبة رؤوف:
 
وأمام هذا المشهد كان أمامي إما خيار العودة لكتابة تعليقات وتغريدات تلهث وراء تفاصيل الأحداث،  أو كان البديل هو : البحث عن مخرج مع تنامي موجة الكراهية وانتشار الدم وتصاعد التحريض من كل فصيل ضد الآخرين من على كل المنصات وتحت كل الشعارات -وهي آفة المشهد السياسي لشهور
 
 لشهور بعدها توارت هبة رؤوف ويبدو مما كتبت قبل هذا الاحتجاب أنها كانت في حالة بحث ومحاولة فهم لما يجري في الشارع من خلال ما أسمته هي بـ "وجولات فهم الشارع وتوجهاته ورؤية الناس الذين يتكلم الجميع باسمهم ولا ينصت لهم أحد"    إلى أن عادت للظهور مرة أخرى في أواخر 2014 وقد تناقلت الصحف خبرا عن احتجازها لساعات بأحد أقسام الشرطة حيث كانت، حين احتجزت، تشارك في نشاط طلابي موضوعه التطوع وشعاره كفوف مفتوحة، لكن الأمن اشتبه في صلة النشاط  بجماعة الإخوان عقب فض اعتصام رابعة وتجريم استخدام شعارها المتمثل في الكف المفتوح على خلفية صفراء...كان ذلك في وقت لم يكن مثل هذا الاشتباه ليمر مرور الكرام!
 
ومنذ ذلك الحين والهدوء هو السمت العام لصفحة هبة رؤوف عزت على فيسبوك ، ربما في انتظار ما يثير ثوائرها!
 
من مؤلفات هبة رؤوف عزت:
 
-  في ظلال رمضان
 
- نحو عمران جديد
 
- الخيال السياسي للإسلاميين (ما قبل الدولة ومابعدها)
 
- إسهام تحريري في موسوعة أكسفورد للمرأة والإسلام
 
- هذا بالإضافة إلى مقالاتها الدروية التي كانت تنشر في جريدة الشعب ثم الدستور فضلا عن مدونتها على موقع إسلام أونلاين.
 
  
ولعل من بين أجمل ما قرأت من عبارات لهبة رؤوف عزت، وهي بالمناسبة ممن تُجدن معاملة الحروف ومغازلة الكلمات:
نعم.. مآسينا كثيرة ومشكلات أمتنا مزمنة، و الأمر ليس قضية تفاؤل أو روح أمل، بل ببساطة فإن التحدي الذي نواجهه كبشر دوما هو كيف نحتفظ بإنسانيتنا رغم كل شئ، ونعيش الحياة بفطرة سوية وإيمان و عرفان.. وعنفوان 
 
 
 
التعليقات