محمد سميح يكتب: وإلى أين نهرب من الملل؟

 

أن تفتح عيونك في الصباح، ينسل شعاع ضوء من النافذة، بعيون مرهقة لا تستطيع أن تعمل بكفاءة، لما زال عالق بها من أثار النوم، أقوم وكأن نكهة صبار تعبر حلقي، لقد نمت أصرخ من مشاعر الملل، وها أنا أقوم أصرخ منها ثانية، أتفقد إشعارات رسائل فيسبوك، ولا توجد رسالة تخبرني أن يومي سيكون سعيد، ليكون بالفعل، وحتى إن وجدت الرسالة تكون بروح باهتة لا يمسها أي شغف أو صدق.

 

ماذا تريد؟ وماذا يجلب لك القدر؟ وفي الإجابة بين السؤالين، فجوة تقع فيها كل آمالنا، بلا أي عودة للحياة، ذهبت للعمل  ولكني فوجئت حين وصلت أن اليوم عطلة، ماذا سأفعل؟

 

ذهبت لتناول الفطار من على عربة فول، ثم دخلت إلى قهوة لأشرب الشاي، وأشعلت سيجارة، وأقلب أخبار أصدقاء فيسبوك المملة، وفي نفس الوقت أحاول أن أجمع أي اسم يمكنه أن يقضي معي بعض الوقت بدلًا من ذلك الفراغ الممل، لقد كنت أكره الذهاب للعمل ولكنه كان يشغل وقتي، وبدونه أنا عارٍ تمامًا ولا أرتدي أي شيء في مواجهة ذلك الملل الذي اعتاد أن يتحرش بي.

 

صورة لصديقة تونسية قصت فيها شعرها كالبويات، فرصة لأن أخبرها أنها جميلة، لقد كان الملل يدفعني لتجسيد الخيال، وعبور الحدود، وإعطاء اعتبار لموجودات لا موجودة، لقد كنت أفكر أحيانًا، أن كل ذلك الملل، والألم، والفرح، والتعاسة، والحب، والقلق، أشياء موجودة بداخلي فقط، وليس لها أي وجود في العالم الخارجي، وكأني مجموعة من الأوهام غير المثبتة أو في أقل تقدير لا يمكن إثباتها وحسب.

 

حين تدرك أن ذلك الملل هو داخلك أنت، تعكس وجهة نظرك في المشكلة رأسًا على عقب، ولكن هل يمكن أن أتعدل أنا بكل بؤسي لأتعايش مع الوجود، وأنا لازالت أعبر الحدود بخيالي لأملئ ذلك الفراغ على الكرسي بجواري، لقد كانت حياتي في حقيقة الأمر فارغة تمامًا، ليس إلا من أشباح، عفاريت موتى، تلوح في خلفيات الأفق كنوع من حلاوة الروح أو تصدير الرعب.

 

انسلت عيوني على صورة تلك المرأة على علبة السجائر، لقد كانت منقسمة على نفسها في الشكل وحتى في المعنى، وإذا كان استخدام الصور على علب السجائر كدعوة مضادة للتدخين، فإن صورة تلك السيدة تبدو مريحة مقارنة بالصور القميئة الأخرى، ولم تعد منفرة!

 

السجائر كانت دوما حاضرة معي، عكس الأصدقاء أو من اعتقدت أني أحب يومًا ما، لقد كانت دوما طيعة لا ترفض القرب والمشاركة، لا ترفض قسمة السعادة حين أسعد،  ولا تتخلى عن دور المواساة حين أحزن، وكانت تشاركني كل أوقات الملل حين يتخلى عني كل شيء، وطالما فكرت لو كانت أنثى مجسدة لتزوجتها، خاصةً وأني كنت أدخن دومًا السجائر الحمراء، التى يفترض أن تجسدت أنثى بالقطع ستكون مثيرة -الحقيقة لا أود أن أتزوجها- أعتقد أنه من الأفضل نعيش في الحرام فإن ذلك ألذ وأكثر إثارة وأقل مللًا.

 

ولقد كنت أحد هؤلاء المصابين بسرطان العصر "الملل"، تحركت إلى البن البرازيلي"فرع صلاح سالم"،  لقد زرته مرة وحيدة مع فتاة، كانت تبدو وجودية تمامًا، تترك كل شيء، من أجل ما تريد، ولكن وجوديتي لم تستطع أن ترى فيها وقتها أكثر من كونها امرأة قاتلة تفتخر بأنها قتلت رجل لا تريده -وكانت قد عشمته- من أجل رجل آخر تريده -بسكين ناعم من حرير- "لعنة الله على النساء" قد يسحبون أمن أي رجل في عدة ثوان فقط من تحت أقدامه، وهناك -البن البرازيلي- وجدت صديق ما، جلست معه، وتبادلنا الأحاديث حول الملل، وقلة الحيلة، وعدم القدرة على تغيير أي شيء، أو فعل شيء، كان جميل جدًا وممل جدًا ويؤيد كل آرائي السلبية في الحياة، كما أنه كان وحيد جدًا، فأنا أعلم الوحيدين تمامًا، فهم هؤلاء من يبحثون عن أنفسهم وتشابهاتها في الآخرين ومع الآخرين، كان سعيد بوجود غريب أطوار مثله، ويحاول أن يؤكد أننا متشابهين، إنها حالة من محاولة الشعور -أنت لست وحدك-.

 

تركته وذهبت لأقابل صديقة، كانت جميلة، يمكنني أن أشعر بالراحة، إذا ما داومت النظر لها، كنت أود أن أصرخ، وأقل إنني قد أموت من الملل في أي لحظة، ولكن جمالك يضفي على هذا الشعور ألوان مبهجة، كنا نتبادل الكلام بشغف وقوة، ثم ينتهي، ثم نفكر في فتح موضوع جديد، كان الأمر جيد، ولكنه ليس كافيًا، كان ينقص شيئًا ما، ليتنا كنا أكثر بساطة وعلاقاتنا أقل تعقيد.

 

عدت في نهاية اليوم إلى سريري، أفكر كم أن ذلك الوجود عبثي ممل قاتم في ألوانه، كنت لا أعرف كيف أنتمي لأي مجموعة وكنت أعاني دومًا من التواصل مع الناس، كنت أبحث عن درجة من الأمان في الآخرين، تجعلني أنفلت وأندفع نحوهم، أو بتعبير أخر تجعلني أغرس أقدامي في أرض ثابتة تمنحني مشاعر الأمان، ولكن هذا دومًا وأبدًا لم يحدث، وكانت دومًا الفجوة تزداد بيني وبين الآخرين، أنا لا أستطيع أن أبادر بجسارة تجاه أي أحد، كما أن لا أحد يستطيع أن يوفر لي أمان أن أسير على حبل رفيع إليه، إنه سوء تفاهم لا ينتهي، واختلاف أولويات شخصية لدى كل فرد، تركت كل هذا الذي يدور في عقلي،  وفتحت رواية "ماجدولين"، وبحثت فيها عن تلك الصورة الوحيدة التى كنت قد وضعتها لسوسن، بعيدة عن عيوني حتى لا تحزنني، ولكنني في تلك المرة لم أحزن عليها، أو على غيابها، بقدر ما حزنت على نفسي، وعلى احتياجي، وشعوري بالنقص، وصبرت نفسي أن كل ما أفتقد من ملكات اجتماعية ومهارات في التواصل والتعبير الشخصي، امتلكه تمامًا في الكتابة، وقد قطعت عهدًا على نفسي، أن أكتب وأكتب وأكتب وأظل أكتب، حتى أرطب مرارة الملل في حلقي، وأجني كل ما أحتاج من اهتمام أو دعم أو إعجاب من الآخرين في حين أنني سأظل بعيدًا عنهم، وكأن ذلك الملل، والاضطراب، يكتبان قدري ومصيري في الحياة.

 

وأثناء ما سرحت في كل هذا طارت صورة سوسن من يدي وحملها الهواء بعيدًا، وكأنها تودعني، وكأنها يجب أن تغيب لأكون حاضراً، وقررت أن أقرأ بعض صفحات تلك الرواية "ماجدولين" قبل أن أنام، وأثناء القراءة وتقليب الصفحات وجدت أمامي صورة سوسن تسكن نفس الصفحة من الكتاب رقم 20 .

 

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 
التعليقات