نفيسة الصباغ تكتب يوميات المرأة الشبح (16): في برزخ الانتظار

 

تجلس هناك يحاولون استعادتها للواقع  بينما ترفض روحها وتحاول التحليق بعيدا في الخيال.. عقلها يرفض الواقع ويفضل خلق حياة وهمية موازية.. تتأرجح ذكرياتها بين الأحداث الحقيقية والهلاوس التي تعتبرها حقائق.. في الواقع لم تعد قادرة على التمييز بين ما كان واقعا وما يحدث فعليا وبين ما يهلوس به عقلها المتعب وروحها المثقلة..

تكرر بين فترة وأخرى: "لا أريد شيئا من الله فقط ليتركني وشأني لعلي أجد مخرجا من التجربة التي أدخلني فيها".. وأخيرا كتبت الجملة ذاتها على مرآة حمام غرفتها ثم نامت وعلى وجهها ابتسامة شاحبة.

الأيام موجعة.. أحيانا نقدر على تجاهلها وفي أوقات أخرى تسحقنا.. استيقظت ذات صباح شبه مشلولة لا يمكنها تحريك ذراعيها وتشعر بجسدها وكأنه أجولة ملح.. عضلات الجسد انتشر فيها الوجع وكأن آلاف الإبر انغرست فيه فيما تيبست عضلات أخرى وكأنها فقدت الحياة تماما.

لم تصرخ ولا طلبت المساعدة.. تخليت أنه الموت يقترب فرقدت باستسلام لعله يأتي في أية لحظة.. السنوات ليست سوى مناورات مملة وسخيفة للهروب من الاكتئاب.. فقررت الاستسلام له لعلها تنهي تلك الخدعة المسماة بالحياة. 

في صباح ذلك اليوم تصورت أبيها يطل عليها من شباك الغرفة وهي ملقاة على السرير أقرب للموت منها للحياة.. نظرت بطرف عينها وبدأت في الحديث معه.. لم تسمع ما يقوله .. كانت ترى شفتيه تتحركان بين الحين والآخر ولكنها لا تسمع ولا تريد أن تسمع فقط تفرغ شحنة الغصب التي تشعر بها في وجهه.. 

أتعرف؟؟ لقد بدأت أكرهك بالفعل.  كنت تعرف جيدا إلى أي مزبلة تلقي بي منذ أكثر من ثلاثين عاما.. حين قلت لي: ستكونين قوية وستكملين طريقي حين ينتهي وقتي ..

حينها كأي مراهقة رعناء اعتبرته إطراء رائعا.. ثقة لابد وأن أكون قدرها أو أكبر منها.. التقطت الطعم بسذاجة شديدة..

ولم لا؟؟ الآن أدرك كيف التقطت الطعم .. أنت صنعتني هكذا وكنت تدرك جيدا متى وكيف تقدم لي الطعم لألتقطه سعيدة وفرحة دون إدراك حقيقي لما سيأتي.

أشعر اليوم بأنك خنتني.. ومع الزمن أدرك حجم الخدعة التي ألقيت بي داخلها.. أشعر بالنقمة عليك وبكراهية نفسي لأنني أحببتك سابقا وأكره نفسي أكثر لأنني الآن أكرهك وغاضبة منك وناقمة عليك وفي الوقت نفسه لا يمكنني الفرار من الطريق الذي رسمته لي بوعي شديد فيما كنت أنا بلهاء أثق بك وحدك وأؤمن بك وحدك دون العالم أجمع.

اختفى شبح الأب حزينا بينما أمسكت هي بقلم وورقة لتكتب:

الانتظار.. قبر تحفره نبشا بأظافرك

مع كل ثانية تمر يتسع قليلا..

يزداد عمقا ويقبل على ابتلاعك

وأنت لا تملك إرادتك فقط صوت العقارب

يدق ثانية ثانية

وأظافرك تنبش الأرض لتحفر قبر الانتظار

تتسع الحفرة رويدا رويدا ومع اتساعها تختفي أجزاء من عالمك الذي تعرفه

يمر بخاطرك أن الوقت حان فلتكن هي النهاية

لكن ذلك الجني بداخلك يمنعك من القفز داخل القبر

يرفض أن يهيل عليك التراب إذا رقدت مستويا في قاع المستطيل المظلم

فقط مع نهاية الدقات

تكف أظافرك عن النبش

وتختفي الحفرة

ويظهر العالم من جديد لا ينقصه شيء

عالمك أمامك كما هو وأنت على حافته

يجذبك داخله لتعيش أو لتمثل العيش حتى الانتظار القادم

 

فلتتركوني 
أمارس قسوتي على نفسي 
لأختفي 
وحيدة 
منبوذة 
تماما كما أنا في الحقيقة 
بلا أقنعة 
عارية من المشاعر الطيبة 
ومن البشر

بكت كثيرا حتى موعد حقنة المنوم الذي أنقذها من أوجاع انتظار الموت مؤقتا..

استيقظت في اليوم التالي لتجد نفسها في حال غير الحال.. صديقتها وفاء حضرت لزيارتها.. تحدثت طويلا عن نور وعن أحمد الذي خرج معها ومع ابنتهما إلى الملاهي بالأمس.. فغرت فاها حين جاء ذكره على لسان وفاء وتساءلت عما إذا كانا انفصلا بالفعل أم أن خيالها هو الذي اختلق مشكلات بين وفاء وأحمد أوصلتهما للطلاق..

انتشلتها وفاء من حيرتها وبدأت تحكي لها ما حدث تفصيلا منذ التقيتا آخر مرة:

انفصلنا لفترة وحاول إقناعي بالعودة مرة ثانية لكنني لم أستطيع..  مرت فترة من التشاحن والمشكلات وبعدها أدركنا أننا ننجرف بعيدا عن الاهتمام بابنتنا ورعايتها لنبدا مرحلة صداقة واهتمام مشترك بنور.

بدأت تشعر بأن لها دور في الحياة مع حديث وفاء وكيف أنها رغم مرضها دعمتها بقوة وكانت بجوارها كلما احتاجتها.. أحيانا كانت تبدو مشتتة الذهن وفي الفترة الأخيرة قبيل دخولها المستشفى تحديدا كانت وفاء تشك بقوة فيما إذا كانت صديقتها تعي بالفعل ما تقوله لها أم لا..

أخبرتها بأن الشك كان موجودا طوال الوقت بسبب شرود صديقتها المستمر فلم يكن هناك أي تواصل بين عيونهما مطلقا لكنها كانت تطرد الشك بمجرد سماع ردود منطقية وحاسمة تتعلق بأي شيء تقوله..

"الشك كان بيقتلني.. وكل ما أكلمك وألاقيكي باصة للسما وأقول هاسكت ألاقيكي بتردي عليا وإنتي برضه باصة بعيد عني "..  هكذا تحدثت وفاء وامتلأت عينيها بالدموع فاحتضنتها سعاد وكأنها تشعر بما تعانيه..

أخبرتها كم تشعر بالذنب لأن أقرب إنسانة إلى قلبها كانت في شدة المرض بينما هي لم تتصرف لأنها كانت منشغلة بنفسها ومشكلاتها عن الصديقة الوحيدة التي اهتمت وكانت دوما موجودة لتقديم الدعم والمشورة.

سرحت سعاد للحظات وأدركت أن مشكلة وفاء كانت هي الخيط الوحيد الذي يربطها فعليا بالعالم ويبقيها على قيد الحياة متمسكة بالحد الأدنى من الوعي.. وفاء واحتياجها لها كصديقة هو ما جعلها تتمسك بعدم الغياب مع الهلوسات الخيالية وأيضا منعها من الانتحار..

كانت تشعرها بأهميتها وحين وصلت صديقتها للاختيار الأمثل حينها فقط سمحت لنفسها بالانهيار وفقدت وعيها بالعالم الحقيقي وكان حتميا نقلها للمستشفى لعلها تستعيد بعضا من توازنها.

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 
التعليقات