فهمي بلطي يكتب: امرأة دون جسد

 
 

في البداية أصبحت تنسى أغراضها في هذا المكان أو ذاك , ثمّ أصبحت تنسى تسلسل الأحداث في يومها : هل شربت القهوة قبل أن تستحمّ أم استحمّت قبل أن تشرب القهوة , ثمّ أصبحت تلمس الأشياء دون أن تحسّها : ملمس الكأس كملمس السّتائر كملمس الماء. و حين تنام ,أصبحت تنام نوما خفيفا جدّا بعينين مغمضتين و روح متيقظة , تحلم أحلام طفيفة و غائمة , تتداخل مع واقع غامض فيتحوّل كلّ شيء إلى أشباح هائمة في غرفتها. و حين ترى قوامها في المرآة تراه يبدأ في التّلاشي مثل هضبة رمل صغيرة عصفت بها الرّيح , أو يتبخّر في الهواء كماء قلق ... لا تحسّ بالألم اللّذيذ في كعبها حين تلبس حذاءها العالي و لا بصراخ نهديها تحت حمّالة صدرها الضيّقة حين تشدّ الحمّالة إلى ظهرها, و حين تشرب الخمرة ,فكأنّما الخمرة هي التّي تشربها , وعندما تهيم في الشّوارع بسيّارتها باحثة عن شيء مبهم, تختفي, و كأن لا أحد خلف المقود ...
امرأة , 
امرأة, منذ دهور لم يعانقها حبيبها , حبيبها الذّي لا تعرفه ,حبيبها الذّي لم يطلق أسماكه الشّرسة في عتمات محيطاتها, لم يوقظ بطرف لسانه روحها النّائمة كشرنقة داخل لسانها, حبيبها الذّي لم يغرس أظافره الشبقيّة في ردفيها الشّاحبين , لم يُعِدْ لدموعها ملوحتها بعرقه الكثيف و الصّاخب, لم يوقظ فرسها الهائجة من دمائها السّاكنة , لم يطلق أنين اللذة من أغوار أحشائها, الأنين الذي تتأوّه من أجله الجدران و تتفتّح بين اسمنتها أعشاب السّفانا و ترقص من أجله السّتائر كغانيات المعابد القديمة , الأنين المبتلّ بندى البراعم و شهوة النّباتات آكلات لحوم البشر , حبيبها الذّي لم يُجفِل نهديها كي يصهلا كمهريْن في براري العساليج الخضراء و أزهار عبّاد الشّمس, حبيبها الذّي لم يدقّ الشلالات المتدفّقة في غاباتها اليابسة ... 
امرأة تختفي ,
امرأة تذوي ,
امرأة سطا طيفُها على جسدها 
امرأة دون عناق
دون ارتطام 
دون تداخل 
امرأة دون جسد

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 
 
التعليقات