أمل خليف تكتب: كأي منتحرة

 
 

كأي منتحرة، لم أغسل و كان ذلك جيدا. 
كنت أحب أن احتفظ بكل أوساخي معى، إلى آخر لحظة ، طبعا تعرفون، القبور باردة و فارغة و يبدو أن "الأبد" طويل و ممل، 
و لقد حرصت فى حياتي السابقة أن تكون أوساخي مثيرة، غنية بالتفاصيل، حتى إذا ما مت أثثت بها قبري و تسليت بمراجعتها و النم عليها.
بالرغم من موتي، لم يهدأ فضولي: أحببت أن أعرف من صاحبني إلى سكني الثابت الأخير، من احتمل مواصلات يوم الأثنين ليودعني و يلقي نظرة أخيرة أو وردة أو دمعة أو شتيمة.. 
كان من الصعب أن أطل بينما جسمى موار بالتراب، جذعي مثبت، أكتافى ثقيلة، لكن عنادي كان كافيا لارفع راسي: 
تبا، هؤلاء فقط ! يبدو حقا أني كنت نكرة. ثم لم أنجح فى الاحتفاظ بالعديد من حولى..مع انني حاولت للأمانة.
بعض الوجوه لا أعرفها، و لا أعرف لم يبدو الحزن و التأثر عليهم.. غريب أمرهم البشر، لا شيء يثير عواطفهم قدر الموت.
أيها الأوغاد، كل جرائم الحياة لا تنتبهون لها، فقط يرعبكم الموت !

صادفتني إمراة بوجه مألوف تنتحب: "بالثلاثين، ماتت صغيرة"
بطرف إصبع قدمي حاولت أن أرمي حصاة في اتجاهها..
- يلعن سماك !! اسكتي ! لا تذكري امى بعمري! ثم هه لن يتحدث عن مزاياي أحد 
سيركز الجميع بعمرى فقط.
تبا ! هل يمكن لانسان أن يستمتع بلحظة واحدة، دون أن يقطعها متطفل حسن النية، جياش العواطف!

هناك صديق يعانق إمراة لا يبان وجهها، بينما يده تنزل إلى الأسفل، أكثر ما تستحقه مواساة بجنازة .. و يبدو أنها لا تمانع ..إنتباتني رغبة بالضحك، لكني كتمتها حتى لا أزيد مصابهم، الحزن و الخوف معا ؟ أكثر مما يحتمله البشر.

لكن من الأحسن أن ينتهي بهما الوضع إلى مكان أريح من قبر فارغ أو خلف تابوت.. حيا على الرغبة، تقتل حقا كل تهيؤاتنا الغبية، يمكنهما أن يتناكحا هنا كالقطط بينما الكل يتباكون..
امى صامتة فى ركن منزو، لم أطل النظر إليها، أعرفها جيدا تلك النظرة العميقة من الخذلان و العتب. نسيت كم مرة، بعينها مت.
بعيدا بعض أصدقاء تبدو عليهم الجدية الثقيلة، تشبه الحزن... و لو أنها أقرب إلى الكآبة يتحادثون : عن الثورة و الأدب، و كم كان رائعا أن نكون معا.
تفوه على هذا الملل ..!

هاتفي بجانب رأسى، كأكليل ورد: المسنجر مزدحم بالرسائل، عتب و حزن و لوعة من غرباء لا أفهمها،
شخص طريف فقط، قال : أعجبتني صورتك بالجنازة، هل يمكن أن نتعرف ؟
لكنني لست بمود جيد، لا أحب أن أتعرف على المزيد من البشر، و لست مستعدة أن أخوض علاقة عن مسافة، بين قبر و قبر..
أساسا انتحرت لانعم بالهدوء. عملتلو بلوك. حتى يفهم !

جسم ثقيل ارتطم بجسدي، هناك من يرميني بالطوب، يبدو أنه شيق هذا الموت !
انتابني الضحك مجددا و بذلت جهدا خرافيا لارفع رأسى و أكتشف المجهول :
حبيب سابق قديم، أمضينا بضع شهور معا، ثم اكتشفت أنه على علاقات مع أخريات، فانفصلنا.
مالذي أتى به ؟ و كيف عرف ؟
بدى عليه التأثر و الغضب :" أيتها الغبية ! لماذا فعلت ذلك !! أنا لم أقصد أن أؤذيك ! أحبك، عودي إلى الحياة!! "
و كدت أصعق: هذا المغرور التافه الأحمق، لا يكفيه ما أضاعه من حياتي، و يحب أن يسرق بطولة من موتي. و يرميني بالطوب أيضا !! 
جمعت كل ما أملكه من جهد لانهض، مسكت الطوبة و لحقت خلفه : 
- تعال!! تعال يا إبن الكلب !

يبدو أنه كتب علي الشقاء، فأحرم حتى من لحظة الموت.

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

التعليقات