أماني عياد تكتب: صمود هش

 

 

 
كنت متهيئا لموته تماما تماما. لدرجة أنني كنت قد تخيلت مشاهد وفاته، وحديث الأطباء، وحالة زوجتي والبنات، وكيف سيكون الدفن، وكيف سنعود، وكيف ستكون الليالي الأولى بعدها. كنت في السنة الأخيرة أدير هذه الشرائط في خيالي طوال الوقت تقريبا. كنت أرتب حديثي مع أخته على الهاتف لإخبارها. وكنت أعيد بروفة الحديث مرات ومرات حتى أخرج بأفضل صيغة لردودي تجعلها بخير. أما منال فكنت لا أريد رؤيتها في تلك اللحظة. كنت أتخيلهم يأخذونها بعد العزاء بعيدا لعدة شهور حتى تتعافى. وليحاولوا كل ما بوسعهم آنذاك لمساعدتها. فأنا معها بالذات لا أملك أي حيلة. لقد استنفذت في هذه السنوات الخمس كل حيلة عندي.. وتعبت. استهلكني هذا الولد كليا. ولد صغير يأتينا جميلا متهللا رائقا بعد بنتين..وبفارق كبير. كانت ولادته فرحا لي ولمنال وللبنات. فرحا حقيقيا. 
 
ربما أحسوا أنني بالفعل أحتاجه. فأنا كنت طفلا وحيدا طوال صباي. وساعة زواجي بمنال كنت مثالا حيا لعبارة "مقطوع من شجرة"! مات أبواي ومات عمي الوحيد. وخالتي العجوز تعيش في أمريكا منذ عقود ولا تأتي أبدا. هذا الولد جاء لينفي عني هذه القطيعة مع العالم. وليمد جذور شجرتي في الأرض. أو هكذا ظننت. كان بريئا وطيبا جدا. كنت أفكر كثيرا أن الله أراد أن يعوضني به عن كل نقص. 
 
وعندما اكتشفنا وهو في الخامسة أنه مصاب باللوكيميا، نظرت للسماء وتملكتني الدهشة. ألم ترض يارب وتقرر الربت على قلبي وإهدائي به؟ مالذي أغضبك مني فجأة إذن؟! لا أعرف كيف مرت تلك الشهور. لا أستطيع وصفها. ولو حاولت فهي كوضعك فجأة في كبسولة شبه مظلمة، تنطبق جوانبها عليك حتى توشك أن تفتت ضلوعك..وتتناهى إليك أصوات الحياة وأضواؤها كالحلم..ثم يبتعد كل صوت وكل ضوء ولا تجد سوى أنك تجلس وحيدا مع ابن السادسة في غرفة مظلمة في المستشفى، لا تسمع فيها سوى تأوهاته وهو شبه نائم، تتقاطع مع صوت الممرضات بالخارج حينا، أو مع طقطقات أمطار يناير على زجاج الغرفة حينا.
 
بعد صدمة الشهور الأولى تصورت أنه سيموت حتما خلال أسابيع أو شهور. لكنه لم يفعل. الذي حدث أنه عاش معي لخمس سنوات كاملة. خمس سنوات لو رسموا رسما لقلبي فيهن لما وسعتهم أعرض الأوراق. كم تعلقت بحبال أمل العلاج شهورا..وزاد تحسنه في أملي! كم من صدقات أخرجت! وكم من عمرات أديت! كنت أتوسل بكل شئ ليبقى. كان يتحسن قليلا، ثم تهوي حالته بكل آمالي. كان عصفا مستمرا بقلبي. ولا أظنه خلق لمثل ذلك أبدا. أنا شخص هادئ جدا ومنطوي وشبه زاهد في كل ما يجري الناس وراءه ليل نهار. هكذا تصفني منال دوما. وتزيد بأن زهدي هو سبب تقدمي في دراستي، ثم في عملي ثم ارتقائي لمنصبي الهام الآن. تقول أن الدنيا تجري وراء المتعالين عليها..وتدوس في الطريق المتذللين لها. ها أنا أتحول مع هذا الصغير لأول المتذللين للدنيا! أود لو ألبي أي طلب لها في مقابل إبقائه ومعافاته. 
 
وهاهي الدنيا يا سيدتي تتدلل علي سنوات..وتلاعبني..وتستهلك كل حيلي..ثم يذوي الولد الصغير حتى لا يعرفه زملاؤه. سيموت إذن. قررت أنني لن أنجرف وراء هذا الابتزاز أطول من ذلك. وسأعترف بأنه سيموت. وسأتعامل مع الدنيا بقوتي وتعففي القديم. لست أول المصابين. ولا أنا آخرهم. كان مثلي محمد الرسول. ألم يوهب إبراهيم ثم ينتزع منه طفلا فيدمي قلبه ويبكيه كما لم يبك قط؟ أخير أنا من محمد؟ معاذ الله! قضيت بهذا القناع الزائف جل العام الأخير. كنت أترك الصغير في المستشفى مع أمه معظم الوقت. كنت أتعمد الابتعاد. كنت...لا أدري كيف كنت! كان عالما من البؤس الخالص والمرارة الكاملة. كنت لا أكلم أحدا في الموضوع أبدا. ولا حتى البنات. كنت أسمع الأطباء بنصف وعي ثم أذهب للبنك كالمخدر وآتي بالمطلوب لأعطيه لمنال..وأبقى بجوار الصغير قليلا ثم أنصرف. كنت أحاول اختصار ذكرياتي معه. 
 
حدثتني نفسي بأنني بذلك سأهون عليها موته ونسيانه. وكان سامحه الله كثيرا ما يهد كل محاولاتي ويرجعني قائدا على الطريق السريع ودموعي تملأ زجاج النظارة وتحول دون رؤيتي للسيارات. كان كلما وجدني أبتعد يقترب ويزيد الكلام والتدلل والطلبات. تكررت هذه المواقف في شهوره الأخيرة حتى جفت دموعي ولم أعد أبكي أبدا. مرة غضب جدا لأنني لن أبيت معه، وشدني من معطفي حتى مزق معظم أزراره..تخلصت من ذلك المعطف سريعا درءا للذكرى..وهاهي قابعة كالأفعى تلدغني كلما تلهيت.
 
يقولون أن موت الفجأة يسير على صاحبه وعسير على أهله. وأن موتا يأتي بعد مرض طويل كهذا هو عذاب لصاحبه وراحة لأهله لأنهم مع الوقت يتهيأون لموته. وكأن عذابه وعذابي شيئان منفصلان! ما أسهل الحكم والمواعظ! وما أبسط فنون التهوين والمواساة! وما أسخف البشر!!
 
ثم كان أن مات كما تخيلت موته بالضبط. نجحت في استرجاع كل بروفاتي مع نفسي وتطبيقها بحذافيرها.  ماعدا مع منال. لم تذهب مع أحد كما أردت. لم تختف حتى تبرأ كما تمنيت. ظلت بجانبي..وللعجب كانت أثبت وأكثر طبيعية. عندما تزوجنا كنت أبدو أكثر تدينا وورعا. كانت هي المنطلقة العفوية، وأنا الهادئ المتحفظ الأكثر معرفة وحفظا للكتاب.
 
وها أنا أنظر لكلينا الآن وأغبطها! هي امرأة لا تتكلف القوة ولا تدعي السيطرة ولا تنشد طيب الذكر كالرجال. فتتصرف بفطرتها كأم..وترتقي كل العثرات وتصل. حتى الحزن والفقد تتصرف معه بلا عمق ولا تحليل كثيف، فأجدها تتكيف معه وتتحسن. كنت أحدق فيها نائمة بجواري غير مصدق! كنت أتصور أن ذكرياتها مع الولد لخمس سنين ستلتهمها التهاما. كنت أتصور أنها ستعيش بالمهدئات والمنومات! مابالي أنا إذا؟!  تصورت بموته أنني أديت فروض الشقاء كلها..وأن الدنيا ليس لها عندي أي حقوق. أب مكلوم ستفرش له الدنيا السجادة الحمراء حتى النهاية. ثم ستتلقفه الآخرة بالورود حتى الجنة.  “I paid my dues” كما يقول الإنجليز. 
 
لكن حتى هذا الاستعلاء لا يفيد. أنا عاجز عن عقد هذه الهدنة مع الحياة والعيش فيها باطمئنان كما تعودت. أجدني قلقا ومتوجسا ومحاذرا من الصفعة القادمة. وتصبرني زوجتي بأن ربا هناك سيربت على قلبينا ويجبر كسرنا إذا أحسنّا الظن وقدمنا الحمد..فأنظر لشفتيها وهي تتحدث وأقول في نفسي: فليفعل إذن.. فليفعل.. فأنا لا أملك من هذه الحفرة خلاصا وحدي..وكل أزرار ملابسي توجعني.. فليفعل وله الحمد..وله الشكر.
 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

 

التعليقات