ماجدة جادو تكتب : عن نجيب محفوظ

 

 

كثر الكلام عن نجيب محفوظ بين من يرفعونه لمرتبة التقديس ومن يرون أن أدبه لا يرتقي لهذا المستوى. ولكي نحاول أن نأخذ الموضوع بقليلا من الموضوعية فعلينا أولا تقييم كتاباته أو رواياته من عدة نواحي:

1-من ناحية اللغة وطريقة الكتابة وهل ترتقي إلى هذا المستوى المقدس أو المتميز بشدة والذي يرفعونه إليه.

2-من ناحية عمق المعنى والفلسفة التي يعلنها في رواياته ومدى غوصه في أعماق النفس البشرية والماوراء وعلم النفس والتاريخ في تناوله لموضوعاته وشخوص رواياته.

فأولا من ناحية اللغة وطريقة السرد الروائي:

في رأيي المتواضع أن أحسن الكتابات هي أسلسها، وهنا لا غبار على كتابات محفوظ من هذه الناحية، ناحية استخدام لغة غير مقعرة وألفاظ غريبة المعنى مما درج البعض على استخدامها فافقدتهم أو أفقدت كتاباتهم سهولة تلقي القارئ للرواية وانشغاله بالبحث عن مفردات هي غريبة عنه تمام الغرابة، ولكن أيضا لابد أن يتوافق ذلك مع طريقة سردية تشد القارئ للرواية بجزالة المعنى المراد توصيله من خلال السرد، ولنأخذ مثلا كونديرا أو ساراماجو في طريقة استخدامهم لطريقة سردية مدهشة في كل سطر وليس فقط في إجمالي العمل، فكل كلمة رغم بساطتها وسهولتها تقودك لمعاني شديدة التنوع والجمال، إن جزالة اللفظ لا تكمن أبدا في المفردة المقعرة ولكن فيما تؤدي إليه من معنى وما تقودنا إليه في طول السرد، والسرد ليس مجرد حكاية أو أقصوصة يرويها الكاتب عما عاشه أو مر به أو عرفه من خلال تجارب الآخرين الذين عايشهم، وهو أيضا ليس مجرد خيال قصصي محض أو وحي إلهي أنعم به الله عليه، فكلنا عشنا حكايات وسمعنا أقاصيص، ولكن ليس كلنا يملك موهبة صياغة هذه الحدوتة أو الحكاية بطريقة تجذب الآخرين إليها، ومحفوظ في رواياته أشبه بالمدون الذي يمتلك ذخيرة لا بأس بها من الحكايات يأخذ في قصها علينا دون أسلوب أو مفردات تجعلنا ننبهر بالعمل كما يبهرنا ساراماجو مثلا في سردياته حول "العمى" أو "البصيرة" أو عن الموت في "انقطاعات الموت" ولا جزالة ألفاظ وطريقة سرديات كونديرا مثلا في "كتاب الضحك والنسيان" أو "الخلود"، إلخ.

القص الروائي ليس حكايات وإن كانت هي الجزء الأساسي منه إلا أن الصياغة هي الحكم وهي ما يجعلنا نميز ونحكم على أي عمل بروعته وجماله وتميزه أم لا، وهذا ما يفتقده محفوظ في رأيي.

ثانيا المعنى والفلسفة والتاريخ وعلم النفس:

وكلها عناصر مهمة في العمل الفني، فكل عمل ينبغي أن يحمل معنى مباشر أو غير مباشر للقارئ، فلسفة الكاتب ونظرته للحياة والموت وللبشر والدنيا بكل أطيافها من حولنا سياسة أم اقتصاد أو اجتماع كلها أشياء مرتبطة ببعضها البعض وتشكل الإنسان بأفكاره وسلوكياته وموروثاته وعاداته وتقاليده، ثقافته بشكل عام أو ما يسمى بأيدلوجيته، فكلنا لنا أيديولوجيا معينة وإن اختلفت من شخص لآخر، والتاريخ الذي وقعت فيه أحداث رواية ما لابد أن يكون واضح ومحدد لإن لكل عصر عاداته وتقاليده، فمثلا "اسم الوردة" لامبرتيكو وقعت أحداثها في فترة زمنية معينة كانت فيه صراعات المذاهب المسيحية على أشدها وقد رصدها الراوي بكل دقة في تلك الرواية وهكذا كانت لا تصح مجريات أحداث الرواية إلا بذكر التاريخ المعاصر لها.

أما علم النفس والغوص في النفس البشرية وصراعاتها ومكوناتها جزء هام في أي رواية لأنها بالضرورة بها بشر من نوعيات وطبقات مختلفة يختلف كل منهم في طريقة تفكيره وسلوكياته طبقا لموقعه الاجتماعي. وطبعا لا حاجة لضرب براعة الأمثلة عند ديستيوفسكي وعند كافكا وعند كامو أيا كانت رؤيتهم أو وصفهم لعمق النفس البشرية التي يتحدثون عنها لكنه عمق وتشريح على أيه حال.

وعليه فلنرى كل هذا عند محفوظ..

من ناحية المعنى: إلى أين يقودنا محفوظ في المعني وهو يتحدث عن ثلاث نماذج للمرأة؟ الست أمينة الخاضعة المذلولة في بين القصرين، والغانيات في الثلاثية والبغايا في زقاق المدق واللص والكلاب والقاهرة 30؟ الفقيرات ليس لهن مهنة غير البغايا ولا ينسى أن يصنع من هن مناضلات ضد الإنجليز كي نتعاطف معهن، أعرف تماما أن الفقر قد يدفع المرأة لممارسة البغاء، ولكنه كيف يصبح نموذجا يركز عليه في أغلب أعماله الروائية بحيث ينطبع في الأذهان إنه الشكل الوحيد لنموذج المرأة في ذلك العصر، والذي تم التروييج له بجدارة في الأفلام حيث يكون هذا هو سبب الإقبال الجماهيري الواسع على أعماله الرقص والخمر والنساء، لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات المتخلفة من هذه النماذج ، لا جدال، ولكن أن تصير النموذج تلك هي المشكلة، المعنى الذي ينقله محفوظ للعامة أو قل للقارئ من خلال هذا النموذج الأكثر انتشارا في أعماله معنى لا يرقى لمستوى العمل الفني المتميز الذي ينقل القارئ إلى أجواء هامشية كليا في مجتمع كان يعاني في تلك الفترة محل الروايات من الاحتلال والمقاومة والجهل والفقر وتدني مستويات المعيشة إلى أقصى درجات التدني في ظل حكومات عميلة تتفاوض وتقبل بأدنى الحلول لقاء بقاؤها على الكراسي.

وهنا تتداخل العوامل المختلفة مع بعضها البعض المعنى في الفلسفي في التاريخي والنفسي التي يبتعد عنها محفوظ تمام الابتعاد في رواياته فلا يمس السياسي سبب كل المشاكل إلا من بعيد وبشكل رمزي شديد التغطية والإخفاء كما نرى في "أمام العرش" مثلا "طيبة" وحتى "الحرافيش" بالإضافة إلى ما سبق "الزقاق" و"اللص" و"القاهرة" و"الثلاثية".

ومثلا "ثرثرة فوق النيل" نجدها كلها حكم ومواعظ أخلاقية، نعم شرح لنا بشكل هامشي وسريع مجموعة من النماذج البشرية المختلفة ولكن كلها في إطار المواعظ والقيم الأخلاقية الفجة على لسان الصحفية التي مثلت دورها ماجدة الخطيب في الفيلم، الفيلم الذي اخترع مقولة "الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا" والذي جعل إسقاطات على الوضع السياسي غير موجود إطلاقا في الرواية، مما جعل للرواية شهرة وموقع غير موجودين في حقيقتها، فلا هي رصدت الوضع السياسي الذي أدى لهزيمة يونيو كما ادعى الفيلم ولا هي غاصت في عقول هؤلاء الانتهازيين الذين غصت بهم العوامة ولا حتى ذلك المغيب الحشاش الذي جمعهم بموقفه شديد السطحية الذين قال عنه الموهومون إنه يمثل غيبوبة الشعب المصري في الوقت الذي كانت فيه هذه اللحظة هي لحظة فوقان للشعب وليست غيبوبة.

وحتى رواية "الشحات" الباحث عن الحقيقة اختاره محفوظ من أبناء الطبقة العليا الذين لا يبحثون في الحقيقة إلا عن أرصدتهم البنكية، ولا تصيب الحيرة أبدا والبحث عن الملكوت هذه الطبقة أبدا، وكان الأكثر إقناعا لو كان البطل ذلك الفقير المقهور المظلوم المطحون الذي يبحث عن مخرج لمأساته ويضل الطريق ويظل يبحث عن معنى لحياته وسبب نكبته عله يجد تفسيرا مناسبا يقنعه بظروفه وسبب معاناته ويدله على طريق للخروج، وليست أيضا هنا هذه هي المشكلة الوحيدة لأن كل واحد حر في رؤيته لطريق الخلاص، ولكن أيضا وعلى طريقة تولستوي في رواية "البعث" الذي يرى طريق الخلاص الوحيد من كل شرور وأذى العالم هو فعل الخير والاتجاه إلى الله، ولا بأس في أن نتجه إلى الله ولكن التوجيه الروائي نحو مكارم الأخلاق دائما لا يغني ولا يسمن من جوع ووظيفة الأدب في النهاية رسم طرق للخروج وحل أزمات والأفضل أن تكون النهايات مفتوحة ونترك للقارئ رسم طريق خلاصه بمفرده.

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 
التعليقات