حسين نيازي يكتب: هدية عيد الميلاد المجيد

اندس غير مرئي وسط الجموع المنتظرة أمام أسوار البناء الفخيم لتحتفل بعيد ميلاده. لابد أن أحدهم هنا سيكون جديراً بالهدية الثمينة التي أخفاها بين طيات ثيابه العتيقة. إنفتحت البوابة وتدفقت الجموع إلى داخل المبنى عبر البوابات الأمنية. دلف وسط الناس ولم يحدث مروره غير المرئي رنيناً، فهو لم يكن من حملة الذهب أو الفضة. أخذ يحلق في السقف الشاهق بينما ارتكن بجسده النحيل إلى أحد الأعمدة الرخامية. ذكره المكان ببلاط القيصر الذي انهزم أمامه ذات يوم بالكلمة.

لم يتخذ مكاناً بين المتزاحمين على مقاعد الصفوف الأمامية، تلك التي تمنح أفضل الزوايا لالتقاط الصور. تبسم لما رأى رجلاً وابنته الصغيرة يلتقطان صورة لنفسيهما أمام لوحة ضخمة لوجهه. ظهر لهما ومال ناحيتهما ليظهر وجهه في الصورة. هنأه الرجل بالعيد وطلب منه برفق أن يتنحى قليلاً كي لا يفسد خصوصة اللقطة.

تابع تجوله الخفي وقد ملئت روائح البخور رئتيه بذكريات المعابد. مر بردهة طويلة والتقط أذناه حديث يذكر فيه اسمه بتمجيد من وراء أحد الأبواب. دفع الباب وأصغى السمع لرجل يرتدي ثياباً مزركشة ويبدو عليه مهابة الشأن وهو يلقي لرجال آخرين، لا يقلون عنه مهابة وزركشة، بتعليماته الأخيرة الخاصة بمراسم استقبال الضيف العظيم. فهم من التفاصيل أنه ليس هو المعني بالترتيبات وأن لا أحد هنا في انتظاره. قرر الذهاب وفي طريقه للخروج اصطدم به أحد حراس الضيف العظيم المندفعون فتذكر ذاك الحارس الذي ركله يوماً على طريق الجبل.

وصل إلى شارع أنيق تصطف على جانبيه الأشجار وتنبعث من أحد مبانيه كلمات على إيقاعات جميلة. دخل فرأى صفوفاً تنصت في خشوع لقصته. لمح بين الواقفين امرأة تنهمر دموعها وهي تمسك بكتابه وتضعه على قلبها. انتظرها بالخارج وظهر لها بينما تستعد هي لإدارة محرك سيارتها. نقر على الزجاج نقرة خفيفة وابتسم وهو يمد يده ليخرج الهدية من ثوبه. أنزلت زجاج السيارة بقدر لا يسمح بأكثر من أن تمد أناملها له بورقة نقدية وغادرته بابتسامة محايدة.

حول مائدة عامرة جلس رجال ونساء يتحدثون عن معاناة أتباعه في الصوم بحرارة زاد الخمر من حدتها. تعجب لغياب البهجة عن المائدة العامرة فقد كان يظن أن قليلا من الخمر يفرح قلب الإنسان ولكنه عندما لاحظ عدد الدنان الفارغة زال تعجبه. فكر لبرهة أن يمنحهم هديته وأن يدعوهم لاتباعه تاركين العالم، ولكن عندما بدء كل منهم يسرد في مباهاة عدد الولائم التي عليه حضورها في العيد، أدرك أنه لو أفصح لهم عن هويته فسيقومون بتسليمه لأقرب مرطز شرطة بتهمة الهرطقة.

وفي كل بيت مر به غني كان البيت أو فقير وجد لنفسه به صورة لكنه لم يجد من ينتظر هديته. كان الناس في انتظار أشياء أخرى ورجال آخرين. كانوا ينتظرون من يمنحهم البركة أو الصدقة. كانوا في انتظار شفاء أو ثروة. كانوا في انتظار مساواة ونصر. كان الناس في انتظار معجزة في عيده لا في انتظاره هو، لذلك لم يأبه أحد برغيف الخبز الذي كان يحمله بين طيات ثيابه.

وفي قرية نائية لا يزورها الضيوف المهمون ولا تسير في دروبها السيارات ولا تعرف بيوتها الموائد العامرة جلس شاب ثلاثيني نحيل يحتفل بعيد ميلاده وسط مجموعة خائفة تحتفل بعيد سيدها في سرية دون صخب. لم يعرف المحتفلون هوية الشاب ولم يعلن هو عن هويته، لكنه قبل دعوتهم غير المشروطة له بمشاركتهم احتفالهم كعابر سبيل لابد أن الجوع والبرد قد أضنياه في تلك الليلة المباركة. وقبل أن يذهب منحته ربة البيت شبه المعدم رغيفا مباركا من جسد المخلص ليسد به الجوع الذي لابد وأنه سيباغته في الطريق.

وفي طريق عودته مع بزوغ فجر عامه الجديد مرت به مركبة قرأ على مؤخرتها "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" فقهقه حتى ارعدت السماء.

التعليقات