رسائل الحب.. خالد محمد يكتب: درويش عاشق

 
 
كل يوم يقرر أن يكتب قصة حبه مرة أخرى حتى لايظلم أحدًا، يقرر أن يلون الحياة بالشكل الذي أراده لها، لا بالشكل الذي تجلى له حبك فيها فاكتشف من خلاله كل معاني الحب دفعة واحدة، يريد أن يتخلى عن طبيعة طالما أرهقته وأسئلة طالما ألحت عليه فعذبته بعد أن أدرك كل اختيارات الأنوثة فيك.
طوال الأربعة عقود الأولى من عمره، كان يرى حبك بمنظور انسانية تتسع لمشاعر الآخرين ومقدار إحساسه بهم، لم يكن يرى ذاته بعيدًا عن أحاسيس كل من يحبهم، وللأسف فإن حدود حبه كانت تمتد للإنسانية التي رسم ملامحها لا الإنسانية الحقة التي اكتشفها في ذوبانه فيكي. وفي حالة كهذه كان حبه دائما بين احتمالين، أولهما أنه حب مؤجل أو مهزوم داخل حسابات مشاعر إنسانية، ترتسم حدودها على مقاس كل من سيوجعه هذا الحب طالما مر بحياته ولو عابرًا. وثانيهما أنه حب لا يخرج عن إطار نصيبك من المشاعر المسموحة حتى لو عشق حتى الثمالة.
هو الآن طور تجربة حبه كي يكسر بها كل مألوف لديه، لأول مرة يحب لنفسه فقط، ويبدو مستعدًا للفوز بهذا الحب كاملًا دون أن ينظر حوله ليبحث عن آثاره في عيون وقلوب الآخرين، لأول مرة يدرك أن للحب طعم شخصي عابر حتى للتفاصيل الصغيرة التي طالما أرهقته، يراجع أنانية كبيرة سيطرت عليه، أنانية لا يرى منها إلا اجتماعه بمن يحب، لأول مرة يكتشف ان ما كان يعتبره أنانية هو حقه في إنسانية لنفسه، ولو لمرة واحدة في حياته، هو حقه أن يكون حبه خالصا لمن يحب، وأن يكون على مقاس ذاتهما معا، ويدرك أن بحبك تكبر انسانيته وتتسع للجميع من خلالك.
صراع إنساني تورط فيه وكلما خلا إلى نفسه، توجعه اختياراته السابقة والقادمة، كيف لنفسه أن تُحّرم عليه اكتشاف ذات الله فيكِي، أن تحرمه من كل مشاعر العشق الإلهي على بابك؟
كيف لروحه أن تتخلى عن هيمانها في عبادة ملكة روحه؟ كيف لها أن تستغني عن الذوبان في ذاتها الانسانية الحقة؟ أن تفارق جمال صنعته يد الله على قدره؟
كان الله حريصًا وهو يقدم له حبيبته، ان يتجسد جمال محبته في كل تفاصيلها، لكنه انشغل عنها بحب على مقاس الجميع.. الآن صارت له علامة على تجلي روح الله في الوجود، كيف لا يعبدها وهي روح الله وروحه التي طالما بحث عنها؟ هل لعابد هام حياته بحثا عن إلهه ان يفارقه لمجرد أنه يوما تعاهد مع ذاته ألا يكون ظالما وألا يطول ظلمه أحد؟ وكيف يكتمل العدل دون بوابات رحمة جسدها وجودك؟
هو الآن يقف بين مليكة عشقه، بين تجلي روح الله ومحبته أمامه في سيدة أحلامه، بين ذوبانه فيها وإحساسه بلذة الوصول إلى منتهى العشق كلما أطلت عليه، أو كلما تذكر نظراتها الشقية، وكلما هيمن عليه حضور دلالها، وبين إنسانية صاغها على قدر الآخرين إلا ذاته، وسؤاله لماذا غاب عنه أن المسارين حقه وحقها؟.
يا ربة حبي ما هو الظلم؟ صار سؤالي الذي لم أعد أعرف إجابة سهلة له، طالما حددت السؤال وصغت الإجابة ببساطة على مقاس أفكاري، لم يكن يرهقني أبدا التصدي لـ الظالم، كانت ترهقني وتطاردني دوما آنات المظلومين.
أنا الآن الظالم والمظلوم فيكي، أنا العاشق المتدله حبا حتى لم يعد يرى في الوجود إلا طلات ابتسامتك، أنا العابد الذي صار يصلي لك، يتعبد لكل لحظة عشق أبدي ذاب معك فيها. هانت عليه حياته السابقة بعدما اكتشف أغوار العشق وروح الأنوثة على أبواب محبتك، عندما كشف له الدلال والجمال عن منبعه فيك.
ما هو الظلم يا إلهة عشقي، ان اترك اكتشاف الله فيك، ان اغادر يقيني الذي صادفته لأول مرة معك، أم في بقايا روح ستتركينها لي، ربما لا أعد بعدها لحالي الأول. معك لن أظلم أحدا، لكني بدونك ربما أبدو مخلصا لكل ما أحببته وسأكمل ظلم نفسي.
يا روح الله التي تجلت في أنثى، بك عرفت المحبة الخالصة، وبك أدركت للجمال أبواب لم تطأها روحي من قبل، ومعك دخلت الجنة مرات.. فهل تتركيني ثانية أعدو على صراط المحبة لا جنة ولا نار وصلت.
أخشى ظلمي لك كما أخشى خسران الهي الذي اكتشفته في جمالك وأنوثتك وكل تفاصيل محبتك، أخشى أني بك أفقد حياة طالما بنيتها بمقاسات محبتي القاصرة، ولكن هل اكتشاف الحياة والمحبة الخالصة فيك ظلم؟ هل ادراك روح الله التي تجلت لي في حضورك ذنب علي اجتنابه؟ هل معرفة الطريق لجنة العشق الخالص، والذوبان في إلهك الذي طالما أرهقت روحك بالبحث عنه وإدراكه كفر بالانسانية؟ هل الإخلاص للمحبة الحقة ظلم؟ وهل يمكن أن يكون اكتشاف الحياة فيك ظلم لآخرين؟ رغم أن معاني حب يتسع للكون ستتجسد دائما في علاقتي بك.
سأحافظ على انسانية من أحببتهم ما دمت عاشقا لك.. هذا ميثاق عشقي الجديد.
يا روح الله التي تجلت لي وحدي، يا معنى الجمال الذي ترك قطعة منه في كل تفاصيل الحياة فصاغت منه جمالها، يا أصل الأنوثة التي تركت بقاياها في كل نساء الأرض، فكتب منه الشعراء كل قصائدهم عن جمال وأنوثة من يحبونهن، كلهم كانوا يكتبون بعض منك، كلهم مخدوعون إلا أنا.
يا جمال لم ير المحبون منه إلا طيفك العابر فرسموا على شاكلته أحلامهم الجميلة بمن يحبونهن، يا كل معاني الحب الخالص والأنوثة المكتملة والجمال الذي لم تدركه حواس ملائكة البهجة في الدنيا، كل ما اطلبه أن تبقي لي بعض منك.. فلربما عرفت به طريقي إليك، إلى «جنة عابد» أدركها، وصارت مخاوفه أن تعجزه قدراته عن البقاء فيها ـ وكل همومه أن يجد نفسه طريداٍ منها، أنا درويش في محراب عشقك الإلهي، فلا تتركيني يوماً لجحيم فراقك.. فبما رحمة من الله لنت لهم

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

التعليقات