رسائل الحب.. هبة الهواري تكتب: رسالة إلى صاحب اليمام

 

لا صباحَ إلا صباحُك يا ورد 
جميلٌ في نفسِك ويفوحُ عطرُك دون جهدٍ 
يمكن للكائناتِ كلِّها أن تفصحَ عن نفسِها 
يمكننا تحمل وحشةَ الطريقِ 
ليس هناك أجملُ من المعرفةِ الحقةِ 
أن يشهدَ الإنسانُ يقينَه يمشي على الأرضِ 
نعمةٌ عظمى أن نرى حلمَنا
ذلك الذي صيغت فيه الأغنياتُ ونقشت المواويلُ 
ليس في الدنيا أجملُ من صباحِك .. يا ورد.

لم أكن أعرفُ سرَّ المسك الذي يسعى في طرقات المدينة، سألت غريباً عن الطريق فضمني إلى قافلته في سخاء، الميناء يتسع وصافرات البواخر تعلنُ قدوم العام الجديد والسماء متوردةٌ وحنونة. والأنفاس هدأت من مس مطرٍ خفيف يشبه دلال اليمام، برد طيبٌ يغلف وجنات الصغار والبياعون ينادون بفرحة ليستدفئ الناس بطعامهم الودود، والصخور تغتسل بدفقاتٍ رتيبة صنعها الموج اللهفان، عند قدميك وفي ظل مجلسك مكثت القطط متعلقات بإيماء عينيك، أخذت تفتت الخبز وتطعمني وحين أستكفي تطعم القطط، كانت الساحة عامرة بالضوء، والسيدة تطل من فوق التل الصغير، والبئر على مقربةٍ منا والسلام يجلل الموجودات، والرضا يسري  مع النسيم .

 

كان مظفر النواب يقول إن نأمةً في العشق تكفي ، نأمتك قطرة من عسل كوني باهر في قلب العمر ،تأتيني و يأتي معك كل شيء ، و لا أرى إلا دائرة وجودك التي تهيمن على الوعي و لا تسرق الذات ،بل هي كتلك  (الماندالا ) الهندوسية  كمالٌ و اكتمالٌ و بهاء و لذةٌ لا تنقطع ، حتى بعد الفراق ، يبقى وجودك طاغياً ،قابضاً على مهجتي و كياني و مهجة القلب دمه ، و أنت دمي الذي يسري في أوصالي بالحياة ، كان حضورك فتنة و حكمة ، وكان افتتاني جمالي و روائي و سكرتي التي لا أفيق منها ، رأسي مثقلٌ بلذة قربك و عطر أنفاسك و وجودي في قرب صدرك أختفي فيه ، تساقط قطراتي فتمتزج برحيقك الخمري المعتق على مهل ، لا أدري أرتشافٌ أم امتزاج أم ذوبان أم غناء و عزف أم أنت ساحر؟ أتكئ على عضدك لأتعبد في محرابِ جمالك الرحيب ، لا أشبع من الدوران فيك و حولك و لا الحديث معك و عنك و لا الترنم بك لك ، أنا أحبك كما كنت أحلمُ  عمري كله ، أحمد الله أنني وجدتُك الحق أنك من وجدتني و دعوتني لأنهل من جمال عينيك ، لأسجد في ساحةِ عطفك البهي ، الحمد  لله أنك هنا في مكنون صدري و عقلي و دمي ، الحمد لله أن ما كتبه الشعراء و الأدباء و الأنبياء و غناه المنشدون موجود في صورتك أنت يا حبيبي .

     

تمنحني الإذن بالحياة ...ترحب بي في الوجود ..تسمح لي أن أكون هاؤك الجميلة  اترك لي يدك قليلاً.. لا .. يديك الاثنتين و كثيراً ليس قليلاً ..نم يا سيدي و اترك لي يديك حتى الصباح أعيدهما و قد قلت كل ما أريد نعم   سوف أرتحل في خطوط كفيك العجيبة العميقة حتى أصل إلى نبع و جوهر جمالك أغمس وجهي فيهما و أغوص و أطمئن أنني في عمق العمق و أبدأ النشيد أبدأ الطقوس بالعطر و الرياحين.

      ألثم العرش و المعبود من الجنوب إلى الشمال ثم أحكي له قصتي مذ كنت في عالم الذر و التي أعلم أنه يعلمها ثم ألثمه ثانية من الشمال حتى الجنوب أتشبث بهما كثيراً كثيراً و أجد فيهما كل ما أريد .. كل ما أريد هو السجود الطواف السباحة في مدارات جمالك المنير أتعرف أنني أقوم من سجودي فقط لأنظر إلى وجهك ثم أعود ثم أبحر ثم أرتشف و أرتشف و أرتوي لأظمأ كل الظمأ من جديد آنس إليك و أرى نور رؤيتك لي ما بين كل سجدة و سجدة أهنأ بوجودي في مجال بصرك و محيط مادتك و أتكئ على ضفتك و أستند إليك حتى أهدأ قليلاً ثم أرجع عند قدميك.

 كيف خلق الله كل هذا الجمال !!!كيف تتدفق كل هذه الأنهار !!!كيف تفوح كل هذه العطور و من أين تأتي ؟؟كيف كيف كيف لا أسأل و أنت الإجابة لا أعجب و أنت السر لا أتردد و أنت اليقين أيقنت أن الله موجود ورحيم حين تصاعد الأناشيد الشجية كلها حين تتلألأ الصور و تضيء الموجودات كلها حين يفوح بخور حار قوي و أريج ندي بكر و تنسكب عصارات سكرية حلوة رحيقية و تترقرق كل نقطة و تتزلزل و لكن بنغم ..بإيقاع ..بتماوج ..بتمايل تقترب و تبتعد ثم تعود و تقترب و تبتعد ...ترقص ..تجسد حلاوة المزيج.

      أتفقد النعمة المتجسدة في لطف وجودك ...أراك نائماً في سلام و صفاء و تتبسم ...أراك في حضن منسجم مع الكون ...أراك تستفيق و تبوح بموسيقاك و كشفك اليومي للملكوت ...تنتظر الندى يتقطر بين كفيك و يتبسم لك ...تغتسل من بحيرات نور و صفاء و عسل ... تستجمع كيانك الحلو و تتذكر مواعيد إشراقك... وتشرق... وتنبض... وتغني... ويصح كل شيء بك ويعتدل ويستقيم... تتنفس وتضحك فيطيب كل ما حولك وتمس الأرض فتحن الأرض... وتمس بوابات السماء فتتفتح وترق وتغني معك... تأتنس بك الوردات وتتراقص كلما منحتها رؤيتك .. كلما بسطت إليها يدك... كلما أحييتها برائحة أنفاسك الحلوة... تهيم وتتحلق حولك في ولع وتتعلق بك حية ناضرة .. غضة.. مبللة بالعشق والبكارة.. تتنسم طيوبك وتمس وجودك وتتلقاه بفرح صاخب بهيج.. تطل على نور وجهك طالما بقيت فيها قوتها ...وإذا أتعبها الطواف والتعلق تنتثر في سجود دائم لك حتى تأمرها بالنهوض.

التعليقات