إسلام عشري يكتب: فن المبالغة (قصة)

 
 
 
"اسمعوا ووعوا" يا أهل القراءة الكرام. من أراد منكم بقصتي ألا يضام؛ فأنا أخبره من بدايتها، ليس لدي قصة أقدمها. اسمعوا كلامي "كويس".. كويس، بذمة أهلك! لا تضع لفظا مثل هذا لقارئ- في البداية على الأقل- لحثه على القراءة، لفظ استعلائيمثل هذا يفسد قصتك بالكامل..احذفه من فضلك! سأكمل من هنا، بعد إذنك. فقط سأتحدث قليلا عن فن المبالغة، هذه قصتي وأنا أريدها غير اعتيادية، لم يسبق لها مثيل،ولا يوجد مثلها إثنان. ولم تكتب من قبل. بالطبع لم تكتب من قبل، وإلا كيف تقرؤون الآن هذا الكلام؟ والآن أريدكم أن تتركوا كل شيء تعرفونه قبل دخولكم لقصتي.
 
رغم أن بطلها عامة ليس بجناحين، أو قد يتكون له بمرور الأحداثجناحين مماثلين مثل فيلم بيردمان فلن يكون هذا الغش لائقا. "الآن سأذهب لأشتري خاتمين" لا .. أيضا لا أريد قصتي رومانسية البته. سأعكس التيم كليا، بالطبع لن تمضي العصافير لتختبئ من الأشجار، والجبال لن يقوم بها لتتمشي. لا أؤيد ذلك كبداية على الأقل.
 
لنبدأ من جديد، بتشبيه لبطل قصتي:
 
"كان غني، بمعدة مثل شاحنة، تبتلع كل ما يعبر أمامها. كان غنيا لدرجة أنه يعد أمواله في أحلامه"
 
 وماذا بعد؟ صبرا عليَّ. لا هذه كبداية جيدة، ولكن أنا أريد شيئا أحلى.أقوى. قصتي لن يكن بها اختطاف رئيس أمريكي في طائرة، أو طائرة تتحطم. أو قد يوقف بها البطل سيارة ويخرج أحدهم بعصبية مبالغ بها وهو يصيح "بوليس" أو بها مختل، العالم لا ينقصه مختلين. مختل يتابع سائق شاحنة على الطريق السريع،أو شاحنة على الطريق السريع تختل. يع امتعاضية.. من المؤكد أن ستيفن كينج كتبها، أو مرت عليه على الأقل، مستذئب أو حيوانات كقصص كيبلنج، مع تي ركس..أيضا لا أريد بقصتي أي تي ركس، حركة مبتذلة للغاية.أو مدمن كحول يقتحم المحال لأجل الخمر، أو لشراء الخمر. لا القصص قبليملأى بالمدمنين. يمكنني كذلك-أنا وقارئي للتقريب بيننا- أن أتبع راسكولينكوف(*) وهو يقتل السيدة العجوز بالفأس. وألطخ دم هكذا بكل أركان القصة. هشششش.. يا قارئي لا تخبر أحدا، لنتابع الجريمة بصمت. لا يصح أيضا بأن أخبر قارئ، أو أي أحد بهذا، أنا أفتقد للقدر الأدنى من اللياقة والكياسة.
 
 لأترك هذا الأمر جانبا لديستو؛ هذه مشكلته. وسأمضي.لأتبع جماعة من المصطافين بكامب، يلعبون "تحدي أم حقيقة" أو ليكن هناك رجل يصفع إمراة.. ليس هذا مقبولا البته، ليس في قصتي على الأقل. أضع هذا الرجل بمدفع وأطلقه إلى المريخ، لينام هناك هو وال "تي ركس" ..قلت لا أريد تي ركس بقصتي..اخرج من قصتي..ما الذي تفعله هنا؟ قاذفة لهب لأجل هذا التي ركس اللعين.
 
لنبدأ مجددا، لا أريد شخوصا كثيرة تتمشى كثيرا بقصتي، لا أريد تشتيت قارئي، يكفي ما به من توهة. أو أن يصل الأمر به لمرحلة "شفيق يا راجل" ويزبد ويرغي ويبدأ في صب العرق مثل حسن عابدين، ويستخرج منديلا للف قفاه كل خمس دقائق من التوتر. على الأرجح أن من يقرأ الآن بسمارت فون على الطريق السريع، ويتابعه مختل ما من خيال كاتب آخر. أنا رجل دوغري، ليس لي باللف والدوران، ليس لي في الحال المائع، أريد المضي بقصتي مثل السكين في الحلاوة. ولكن الآن يبدو لي أني أقود قارئي لحيطة سد. رغم أني أعصر دماغي أمامه؛ ومع ذلك أجده خاويا.
 
الساعة الآن السادسة صباحا، وأنا أعاني من رايت بلوك خانق. وبداخل عقلي يجري كلب سعران يطارد ذاته، والهاتف رن ليزعجني أكثر، ولم أنم جيدا مثل ثور منهك مقسوم لشطرين على السرير. صدقا ليس لدي أي قصة؛ كما محدثي بالهاتف. من المؤكد أني لم أفز باللوتري، ولم أدخن لاكي سترايك بفيلم لنجيب الريحاني. مضحك جدا محدثي بالهاتف كما محمد عادل إمام. سبقني بالكلام، أردت قول أنه سيكون أمرا جيدا، لو أجل قصته–أيا كانت- مع قصتي إلى الصباح.  سأكون جيدا مع قصة جديدة بغضون الصباح.
 
القصة الجديدة، ترياقي بقصري التخيلي. قصتي الأولى كانت قصة جيدة أخبرني كل من قابلته بذلك، لم يخبروني بوجه التحديد عن مدى إجادتها، ولكن كانت جيدة، أخبروني هكذا وأنا أصدقهم.ربما كانحظ المبتدئين،أيضا بدوري لن أعود للسابق لحلبها. يجب أن أمضي. لا أريد أن أبدو استثناء أو ظاهرة، أريد أن أبدو عاديا وأنا أروي قصتي القادمة.
 
نحن بالصباح، ولكن بعد السادسة. استيقظ أيها القارئ النائم. أنت الآن تشاهد قاتلا لئيما، وهشا بنفس الوقت.. سكون من فضلك لا تقلقه وهو يرتب جريمته، لا تخبر أيضا أحدا بذلك. لأكتب قليلا عن قصته بالخلفية بجوار مشهد القتل، ولكن كل هذا حقيقة بلا طائل. القصة لن تحلو ولن تحل بغير جريمة.  لا.. انس ما قلته.
 
لنجد أخرى، قصة الحطاب والشجرة. لا هُرست. هل ستظهر مع قصتي فرقة لعمر خورشيد ورقصة من المماليك وهم يغنون "عجبا لغزال قتال عجبا..يخطو بدلال فيثير الشهب". هل أمضي لجلب التي ركس من المريخ، والرجل من مقذوف المدفع كمحاولة بائسة مني من الخارج؟  لا؛ يجب أن أظهر جامدا أمام قارئي. لا يجب أن يشاهد بكائي لأكتب ذلك. لأكتب عن بوني وكلايد. ثنائي قاتل. ثنائي خطير، ثنائي ابن كلب فاجر. ربما جعلت ثنائي مثلهما بطلي لقصتي. بل ستشبه قصة عصابة(حمادة وتوتو).. لا لا لأرجع لقصتي. لا أريد أن أكون مثل محسب الذي ظل يهيم بمحفظته لتسرق منه في المولد بفيلم (صراع في النيل). أصعب شيء أن أبان أبلها أمام قارئي.
 
بو قال بقصيدة:
 
"أليس كل ما نحلم به حلما، بداخل حلم؟" لأتحدث عن حلم، أحضر كل شيء يلزم للحلم.أنظر لصورة حبيبتي ثم أمضي للنوم وبجواري مفكرة وقلم. أو لتكن عن رجل يحكي لفتاة صغيرة قبل النوم أنه خنق فيلا يدوب بإصبعين. ستتحول إلى قصة أطفال، وهذا آخر شيء أريده. أو أدخل بها العديد من الركلات والصفعات مثل ما قرأته بأدهم صبري، تنوعيات على غرار"تكويع بالبطون وتلويح وحاجة قلب أمعاء". بعمري، سأغرق في حقيبة من العسل مثل الدب تيدي.الآن.. والآن فقط لأضع كل هذه الشخصيات في مطفأتي. لتندمل.
 
لن أصرخ مثل أرشميدس الأهبل، وخلاص..وجدتها. وجدت فكرتي الضائعة الغائبة. وأخرج ليجدني قارئي عريانا. ربما أجد خاتم سليمان وأطلب منه فكرتي. ضالتي. وفرقة غنائية تخرج منه تغني لي "شبيك..لبيك..خادمك الأمين بين يديك"
 
لنبدأ من جديد: طبعا رجلي الغني!
 
"كان رجلا غنيا لدرجة أن أمواله كانت تصل إلى السماء" ما حكايتي أنا والرجل الغني، ما ظن القارئ بي؟ فرضا القارئ سيشعر بحقدي التام والطبقية المجحفة التي أخبره بتبعيتي له. لأترك الرجل الغني بحاله. الله يكرمه.
 
لدي حق، سيدة بشعر أحمر مثير فتاة تعبر، وولد ملتصق ظهره بحائط، ويثقب قلبا بدخان سيجارته،وضابط شرطة على أهبة الاستعداد، لا أريد ذلك الولد. قليل الرباية، لأخرجه هو الآخر مثل سكير بحانة خارج قصتي. لحسن الحظ أجد تعبيرا محفوظا، لكني أجد الألفاظ مثل هذه إكليشية وتقليدية، أكرهها، يداخلني حرج رياضي باختبار للمنشطات. بقى ثلاث عشر تيمة قصصية وأنتهي. لا أريد أن يشبه الأمر نصا من نصوص المحفوظات بكتب إبتدائي. ما أريد قوله غير معقول، اللا معقول بذاته. لا أريد نصوصا، ولا تحابيش، لا أريد لي حدث لأجل قصتي مثل عنق أوزة، وكذلك لا أريد أيضا قذف نفسي بعد انتهائي منها من فوق الروف، وكذلك قارئي. ليس لدي الكثير لأخسره. لا يهمه أيضا بدوره قارئي كل هذا الصخب بداخلي. يريد حدثا ليمسكه. أو أن أخبره بأني وقعت على مؤخرتي لجلب هذه القصة، احتفظ بهذا بنفسك، وآلامي كذلك. هذه ليست قضيته خالص، ولن أتهمه بذلك بعدم تعاونه. سأعلق الأمر على ذلك. أربع عشر تيمة ولم أقترب بعد مما أريد.. أنا يمكن أكبر المواضيع، أريد أن أضع كل شيء بقدر كبير. العالم بكلهببحوره، وأنهاره بقدر، مثل ريك آند مورتي. الأمر أبسط من ذلك. قصة مثل هذه لن تضعني باليوم التالي بقائمة فوربس مثلا.
 
ما أنا به نعمة من الله، أريد فقط أن أصفعقارئي مثل فازة بحائط. ولا أريد أن أخطط لشيء، سأكتب ما يلوح لي في الأفق، ما سيظهر. ما سيطل برأسه مثل وحش لوخ نس. سأكتب "اسمعوا وعوا" كبداية، وسأضع عنوانا مبدائيا لقصتي وليكن ولا أريد أن أكون مغاليا "قصة عن فن المبالغة"
 
(*) راسكولينكوف: يمكنك عزيزي القارئ ألا تتبع الهوامش، هذا ليس مهما، صدقا. ولن أطل أكثر من هذا، بالفعل هذا ليس وقتا للشرح.
 
التعليقات