سامح قاسم يكتب: ساحة مايو

 

 

كان أبي يقول لي إنني أشبه بطفل هارب من حديقة للببغاوات.. مات أبي بعد أن أوقعتني جملته تلك في غرام الببغاء الذي كان يمتلكه غريم "فلورنتينو اريثا" الموله بـ"فرمينا داثا" في زمن ماركيز الموبوء بالكوليرا والحب، وهي الجملة نفسها التي فتحت لي عالم أمريكا اللاتينية وآدابها من "الكاتب وخيالاته" لبورخيس و"محارب الوحوش"لكورتاثر إلى خوان خيلمان حائز"الكمنجة ومسائل أخرى".

رغم وصف أبي لي بالببغاء فإنني كنت غارقا في العزلة، وأهرب من اللعب والكرة التي كان يهرب الصغار من الفصول لأجلها، ويتحلقون حول الكبار في المقاهي ليشاهدوا مباريات كأس العالم، خاصة تلك التي تشارك بها الأرجنتين، ويلعب على رأس فريقها الداهية القصير "مارادونا"، هذا الأسطورة الذي عرفت فيما بعد بسنوات أنه أدمن المخدرات، وأنه ربما أقدم على هذا الفعل لينسى الدور القذر الذي لعبه فريقه لإلهاء شعبه عن جرائم "خورخه فيديلا".

أحببت ماركيز وبورخيس وكورتاثر وإدوارد غاليانو، لكني لم أحب "ماريو كيمبس" الذي ترك أمهات ساحة مايو يذرفن الدموع في شوارع بوينس أيرس، ليصافح "فيديلا" بعد الفوز المدبر على "بيرو" بنصف دستة أهداف وهمية!

أمهات ساحة مايو..حكاية كبيرة، تستحق أن تحكى، ولا تقل بهاء عن حكايات ماركيز وبورخيس وكورتاثار وغاليانو، وإليك الحكاية كما سمعتها:

"في أبريل عام 77 تجمعت أربع عشرة امرأة اختفى أبناؤهن، ووقفن بصور الأبناء المختفين أمام قصر الرئاسة في ساحة مايو بالعاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس. لقد كان أمرا غريبا ولم تعره السلطة اهتماما في البدء، وأطلقت عليهن في البداية مجنونات ساحة مايو، لكن الأربع عشرة امرأة لم يتزحزحن، وتواجدن كل خميس من الأسبوع.

كبرت كرة الثلج مع الوقت وانضمت المزيد من النساء الثكلى إليهن. كن يقفن على شكل مجموعات متناثرة في الساحة، حتى لا يبدو الأمر كمظاهرة. اتخذت الأمهات إشارة لتميز أنفسهن وسط الواقفين بالساحة: قماشة بيضاء ترمز إلى قماط الأطفال الرضع، توضع كمنديل على الرأس، وقد طرزت كل واحدة منهن عليها اسم ابنها المختفي.

بتزايد أعداد النساء المشاركات في وقفات أمهات ساحة مايو انكشفت واحدة من أبشع جرائم النظام. لقد كان من بين المختفين أطفال اختطفوا من أسرهم المعارضة للنظام وأعطوا لأسر موالية له. لقد كٌشفت تلك الجريمة في وقت كان الإعلام فيه بدائيا وتحت سيطرة الدولة بالكامل. شعر النظام بالقلق من نساء وأمهات ساحة مايو وبدأ في مواجهتهن.

في تلك الأثناء حاولت السلطة أن تحول أنظار الشعب بعيدا عن الأمهات، ولم يكن هناك أفضل من الفوز بكأس العالم الذي استضافته الأرجنتين عام 1978 لتحويل الانتباه.

احتاجت الأرجنتين إلى أن تفوز على بيرو بأربعة أهداف حتى تضمن التأهل للدور النهائي. قام النظام بالتفاهم مع نظيره القمعي في بيرو لأجل ضمان هذا، وخرجت مباراة كرة هزيلة فازت فيها الأرجنتين بنصف دستة أهداف، لكن الكرة التي خطط النظام أن تكون أداة لإلهاء الشعب كانت سببا في أزمة أكبر له، حيث استغل مراسلو القنوات العالمية فرصة تواجدهم في الأرجنتين لتغطية كأس العالم وسجلوا لقاءات مع أمهات ساحة مايو، فخرج الأمر من الأرجنتين إلى العالم كله، وقالت واحدة من هؤلاء الثكالى عبر الشاشات: "نريد أن نعرف أين أبنائنا؟ أحياء أم أموات؟ نحن مضطربون لأننا لا نعرف إن كانوا مرضى، يشعرون بالبرد، جائعين.. نحن لا نعرف عنهم أي شيء، نحن يائسون ولا نعرف لمن نتوجه. ساعدونا.. رجاء، أنتم أملنا الأخير!"

ضاقت الحلقة على "فيديلا" وأصبح الأمر خارج سيطرته، وخرج أدولفو بريز الحائز على نوبل للسلام ليحتج مع أمهات ساحة مايو، ومعه العديدون من الشعب الأرجنتيني. لقد أحدث نضال الأمهات شرخا عميقا في جدار السلطة ووضعها في مأزق. أدرك فيديلا أنه لم يعد شخصا مرغوبا من المجتمع الدولي فانسحب من الساحة عام 81 بعد خمسة أعوام من توليه السلطة، وبانسحابه انقسم العسكريون على أنفسهم وقادوا انقلابات ضد بعضهم البعض، ومن أجل الخروج من مأزقهم صنعوا فقاعة تلهي الأرجنتينين عن واقعهم فتورطوا في حرب ضد بريطانيا للسيطرة على جزر فوكلاند عام 1982. هزم الجيش الأرجنتيني وفشلت آخر مساعيهم للخروج من المأزق الذي ورطهم فيه أمهات ساحة مايو، فقرروا الانسحاب من العملية السياسية وإعلان التحول الديمقراطي.

وقبل هذه اللحظة وبعدها تسير الأمهات في كل شوارع الأرجنتين ينادين على أبنائهن، وهن يغنين:

"كل خميس طوال العام

في الحادية عشرة صباحا

قريبا من ساحة مايو

مع البرد، المطر، أو الحر

سأنتظرك يا حبيبي

أمام القصر الرئاسي

الشوكة في عينيك

عالقة في قلبي"

بعد مضي سنوات طويلة لم تعثر الأمهات على أبنائهن، واختفت ثلاثة من مؤسسات الحركة أثناء مسيراتهن النضالية، لكن فيديلا حُوكم وقضى أواخر أيام حياته في السجن حتى توفي في عام 2013.

وإلى الآن، ما زال زوار بوينس آيرس يشاهدون مع مغيب شمس كل خميس مئات من النساء يرتدين مناديلاً بيض على رؤوسهن، ويدرن، اثنتين اثنتين، حول النصب الهرمي في ساحة مايو لتذكير العالم كيف يمكن للنساء وحدهن إسقاط نظام دموي."

التعليقات