سامح قاسم يكتب: أبحث عن وجه أمي

 

لست واحدًا من هؤلاء الرجال المهووسيين بتفرس وجوه النساء؛ لكن وبشكل لا إرادي أجدني أتفحص وجوههن أينما صادفتهن، كثيرًا ما سألت نفسي عن سبب هذا التصرف السخيف من ناحيتي، والمزعج في الوقت عينه لهن! واستدعى هذا السؤال ذكرى بعيدة.

كنت ولدًا صغيرًا من هؤلاء الذين ينعتونهم بأبناء المفاتيح، الذين توصلهم أمهاتهم إلى مدارسهم كل صباح مصحوبين بقلادات من شرائط مطاطية، يتدلى منها مفاتيح بيوتهم، وفي نهاية يومهم الدراسي يعودون إلى بيوتهم بمفردهم؛ فيخلع كل منهم قلادته ليسهل عليه وضع المفتاح في عين الباب، ثم يديرونه ثلاث مرات إلى جهة اليسار مثلا فينفتح الباب، كنت واحدًا من هؤلاء، وبمجرد أن أدلف إلى الداخل، وبإحدى رجلي أغلق الباب بقوة تهتز لها الجدران؛ للدرجة التي تجعل صاحب البيت العجوز يسبني بأقذع الألفاظ، ليس خوفًا على أساس البيت فحسب؛ ولكن حرصًا على هدوء ابنته التي أصيبت بحالة نفسية سيئة بعد طلاقها؛ فألقت بنفسها من الدور الرابع فتهشم جسدها، وقضت شهورًا طويلة في قميص من الجبس اللعين.

كنت أقضي نصف النهار ليس أمامي غير سرير معدني صغير ، وتلفاز أبيض وأسود، يتعطل معظم الوقت، ولا يعمل إلا بخبطة من يدي على ظهره، وبرطمان من المربى الرديئة ، أسحب منه ملعقتين أو ثلاثة، أدهن بها سطح رغيف يابس عندما يقرصني الجوع.. بالمناسبة أكره التلفاز والمربى حتى الأن.

كان هذا الفراغ موحشًا جدًا، ومليء بالأشباح تدفعني كل يوم للخروج من البيت موصدا الباب ورائي قاصدًا موقف الأتوبيسات، وهناك أجلس على الرصيف، وكلما وصل أتوبيس يحمل رقم (26) أقترب منه متفحصًا وجوه النساء؛ ربما أعثر بينهم على وجه أمي.

لم يعن لي وجوه الرجال الملفوحين بالعرق، ولا كروشهم التي أراحوا عليها حبات من البطيخ، ولا الجرائد التي رفعوها أعلى جباهم لدفع بهر الشمس.

أصوات الباعة لم تمنع الصور التي تفرزها مخيلتي، وتصيبني بالهلع للدرجة التي يغطي صوت ضربات قلبي على صخب المشهد كله، أذكر منها صورة لأمي وهي تحذر إحدى السيدات من أحد الأشخاص لمحاولته فتح حقيبتها لانتشال حافظة نقودها المهترئة؛ فيلتفت الجميع إلى السيدة واللص، وقبل أن يهم بالهرب من الأتوبيس يلتفت لأمي ويسدد لها طعنة من مطواته في صدرها عقابا لها.

صورة أخرى لشخص ما يقف وراء أمي بنية هائجة، وعندما تشكه بدبوس طويل تحتفظ به في صدرها لمعالجة مثل هذه السخافات، يستدير غاضبا ليصفعها على وجهها فينزف فمها.

أو أن بائعة الفاكهة الضخمة ذات القرط الكبير، والمدلى إلى منتصف رقبتها، وضعت لها في الأكياس الورقية بنية اللون فواكه معطوبة، وعندما اكتشفتها أمي قبل أن تغادرها اعترضت فجعلت منها البائعة فرجة للعابرين.

تظل الصور تتداعى حتى تظهر أمي، وكانت في العادة لا تظهر إلا بعد عشرة أتوبيسات على الأقل، وعندما تصل تضمني إلى صدرها مجففة عرق وجهي بغطاء رأسها، وتضع يدي في يدها لنعود إلى البيت؛ لأتلقى وعدي من أبي لأني عبرت شريط المترو ، ثم طريقين سريعين للسيارات وصولا للموقف بمفردي، ولأنني أيضا لا أحتمل الوحدة كرجل، وعلى الرغم من خيزرانات أبي؛ لكنني ما زلت أتفحص وجوه النساء علني ألمح وجه أمي.

التعليقات