أشرف الصباغ يكتب: خالتي رافايل

 

نفسي اكتب عن دكان خالتي "رافايل..
اللي كان وشها أبيض ومدوَّر ومنور، وشعرها أحمر، وجسمها زي البطة.. وحزن شفيف مابيفارقش عينيها، وبسمة خفيفة لازقة في شفايفها..
نفسي اكتب عن الست رافايل اللي كانت بتتحرك بهدوء، وبتبص في عيون العيال من غير ما تنطق ولا حرف.. وتديهم فراولة وكراملة وابتسامة فوق البيعة..
نفسي اكتب عنها وهي بِتوَطِّي اللنضة الجاز لما كانت صفارات الإنذار بتضرب في مغارب ٦٧.. ولما كانت تطلع تمشي زي البطة تلم العيال من الشارع وتدخَّلهم الدكان..
هي كانت اسمها رافايل. ما شوفناش جوزها، عم رافايل. لكن الكبار كانوا دايما بيحكوا عنه. كانوا بيقولوا إنهم عمرهم ما شافوه لا في جامع ولا في كنيسة، بس كان دايما حاضر في أي عَزَا وفي أي فرح.. وكان بيطلع يلمهم وهم صغيرين لما صفارات الإنذار بتضرب في مغارب ٥٦، ويدخَّلهم الدكان، ويخلي الست رفايل تعمل لهم ليموناده وزنزبيل..
العيال كانوا بيسموها، خالتي رافايل.. والعيال اللي قبلهم كانوا بيسموا جوزها، عم رافايل.. دكانتهم كانت جزء من بيتهم الصغير في قرية بعيدة أوي في الدلتا.. كان بيقعد يقرا الجرنان على باب الدكان، وهي بتقعد جوه..
إحنا ماشوفناش عم رافايل، لكن الكبار قالوا، إنه بعد ما مات، خالتي رافايل مبقاتش تضحك.. بس فضلت تفتح الدكان بعد أدان الفجر، وبدل ما كانت بتقعد جوه، بقت تطلع تقعد على كرسيه بره الدكان..
النصارى اتعاركوا مع المسلمين.. قالت لهم، ادفنوه زي ما انتوا عايزين.. طب والصلاة؟! قالت لهم: مش عايزين..
خالتي رافايل، كانت بتحكي لنا حواديت، وتلمنا حواليها في الشتا تسقينا حلبة وتقشر لنا برتقان وتخلينا نتسابق في تكسير القصب..
خالتي رافايل كانت بتجيب لنا قلقاس في عاشورا، وفي مولد النبي، عروسة وحصان.. وفي شم النسيم، تهرينا بصل وفسيخ.. جدتي اللي أكبر منها، كانت بتناديها، يا بت يا رافايل.. والبنات الصغيرين كانوا بيسرحوا شعرهم زيها..
خالتي رافايل ماتت، ما نعرفش إزاي.. وشيخ الغفر خد بيتها ودكانها..
 

التعليقات