سحر عبد القوي تكتب: تأملات حول قصيدة "مومس سان دينيز" للشاعر أحمد الجعفري

 

المومسات، طريدات البوليس المسكينات وصاحبات أقدم مهنة في التاريخ، أشعر نحوهن بالشفقة ولا أحاول ارتداء عباءة القاضي والجلاد لإطلاق الحكم عليهن. فهن نتاج مجتمعنا. وهن بشر بحاجة لعطف وشفقة. لهن أوجاع، يعانين أمراضا وفقرا. ويعانين أيضا من احتقار المجتمع الذي أوجدهن بنفسه. ويعانين الملاحقة القانونية في بلادنا منذ إلغاء تقنين الدعارة عام 1949. وقبل إلغاء الدعارة عانين الأمرين من القوادين الذين اختطفوا أغلبهن وأجبروهن على العمل بهذه المهنة وعرضوهن لسوء التغذية حتى الموت.

 

واجهني منذ قليل منشور فيسبوكي مصور على طريقة الـ"اسكرين شوت" لفتاة تدعو لصديقتها بعد وقوعها في قبضة البوليس بقضية آداب وتتمني لها البراءة. وبالطبع أثار المنشور سخرية. كأن المومس ليست إنسانة أولا وأخيرا: لها علاقات اجتماعية وصديقات محبات، وقد تقع في الحب، وقد تقع تحت طائلة المرض الذي لا يرحم جسد.

 

قفزت لمخيلتي على الفور قصيدة أحمد الجعفري "مومس سان دينيز" من ديوانه "قليل من النور كي أحب البنات".

 

في البدء لابد أن أحتفي بشجاعة رجل يٌعَنْوِن قصيدة له بمثل هذا العنوان المشتبك مع الوعي الجمعي اللاعن للمنتسبات لهذه المهنة وشجاعة قريحته التي أنتجت قصيدة بهذا المحتوي. وإنسانيته أيضا. أدرك الجعفري أن الشاعر ليس مُفتِيا وظيفته التحليل والتحريم، وليس قاضيا. الشاعر هو قبس من رحمة أوجده الله ليتحد مع أوجاع الناس القويم منهم وغير القويم. بل ليس يملك إلا أن ينظر بعين الرحمة لأوجاع الإنسان.

 

تبدأ القصيدة بمفتتحية ايمانية جدلية:

ما دٌمت تري الله باسما في وردةٍ

أو في وجه طفل تعافى لكنه مرهق من أثر الكيماوي

فلابٌد أن تري عبوسه تعالي في ألم المفاصل..

وأنت تتابع مومسا..

قضت صُبحها دون زبونٍ يوحد اللهَ أو آخر لا يراه

 

هنا يرسم الشاعر صورة جريئة عن التصور الإنساني للألوهة. حيث رِضي الله يبدو متجسدا في الجمال الذي يسكن الورود و الأطفال الناجين من السرطان وأهواله. بينما يتجسد سخطه في وجع المفاصل الذي ألم بمومس لم تحظ بزبون واحد مؤمن كان بالله أو غير مؤمن. فالمؤمن وغير المؤمن قد يقصد المومس. لكن وحدها المومس تحمل سخط المؤمنين وغير المؤمنين بداوفع دينية أو أخلاقية. وكأن الشاعر يستنكر التصور بأن الله قد يغفر للمؤمنين زلاتهم بينما لا تتسع رحمته لتشمل المومس الستينية المريضة بالعصب الخامس والتي قضت عمرها دون انتصار شخصي واحد.

 

فالمومس العجوز المريضة بألم المفاصل جائعة أيضا ومفلسة ولا تملك ثمن وجبة رُغم أنها تقف بجوار موضع للمسلمين دافئ يقدمون فيه إفطارا للصائمين لكن هيهات أن يتصدقوا عليها، لأنها مومس:

 

هُنا..عن يمينها مصلّي للمسلمين...دفيء..

لكن هيهات أن يسمحوا لها بالدخول بصدرها

العاري هذا

ولا حتى أن يلقوا لها بوجبةِ من إفطار الصائم

المجانيّ..

 

يألم الشاعر لمظهرية الأحكام الأخلاقية والإنسانية التي انتابت المسلمين في هذا المكان فهم أبعد من أن يشفقوا علي السيدة بسبب لباسها الذي يكشف عن صدرها، وبسبب مهنتها، وكأنهم صادروا الله لحساب أنفسهم. ويتعاطفون مع مرتديات زي بعينه يشي باتفاق المرأة مع ما يؤمنون به من أحكام دون غيره. لكن الشاعر جعل للمومس صلاة خاصة بها، تتلوها تخاطب بها ضمير الإنسان.

 

المومس في القصيدة تتلو صلاة تعاتب بها الشرق أوسطي علي تنكره لأوجاعها التي تشبهه. وينطلق من صدرها تنهيد يضاهي اختلاط الانكسار بالانصار في حياة أي إنسان تقلبت به مقادير الحياة. وهي أيضا لها زميلة مهنة عرفت العشق وخُذِلُت:

 

ثم أطبقت جفنيها وتنهّدت..

فانطلقت منها أفراخُ من طيرٍ غريب عن سماواتنا

الخفيضة..

لها أجنحة مهيضة مثل ابتساماتي وانتصاراتي المتراكمة

بعدها..

جذبتني من ياقة الفضول الصعيديِّ عندي وقالت:

قضت زميلتي هنا وهي تتلو صلاةً..

تشكو لله جلفاً مثلك ضيعها

 

المومس التي عرفت العشق عرفت الله وشكت إليه فظاظة الشرق أوسطيين المحملين بفقه الرفض لأوجاع الإنسان، المغترين بمصادرة رحمة الله لحساب تعاليم خاصة بهم وحدهم، النابذين لفكرة اتساع مغفرة الله، والمصادرين لمفاتيح الجنة وصكوك الغفران لصالحهم فقط. تلك المومس يئست من الناس وتنتظر موعدا نهائيا مع الله الذي تراه أرق وأرحم من الناس:

 

صارت مِثلي

تنتظر موعدا غراميا ونهائيا مع الله..

بوصفه أرق وأحني من زبائننا

فكل من أخذها إليه..

لم تشتكِ بعدها البردَ،

ولا مطاردة البوليس،

ولا ابتزاز السكارى،

 

جمع الجعفري المومس المسكينة في معية الله مع عباده الصالحين والطالحين لأن رحمة الله تسع جميع مخلوقاته. فيصدر الجعفري صورته البالغة الجمال للذات الإلهية الرحيمة:

 

غابت هناك مع الأنبياء، والشهداء، والمومسات التاريخيات، والزعماء،

وضحايا المافيا الدولية، والشعراء المغمورين

فمعية الله النهائية تشمل الضحية والجاني، ورحمته تسع الجميع.

 

هكذا تعاطف الجعفري مع المومس العجوز وهكذا أشع علينا بصورة جمالية عن الرحمة والتعاطف والاحتواء الإنساني وصورة جمالية عن الله ضيعها المتنطعون من المؤمنين وغير المؤمنين الجلادين لأخطاء البشر وانحرافاتهم واختلال ميولهم. كثير من النور هذا وليس قليل.

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

التعليقات