محسن صالح يكتب قراءة في: "أشباح دانتي" والتجديد في القصة القصيرة للدكتور بهاء عبد المجيد

 

الكاتب المتمكن الدكتور بهاء عبد المجيد يجيد الكتابة في مجال الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي و الترجمة و أمور أخري عديدة في مجال الإبداع الثقافي والفكري. أراه يكتب بجد و اقتدار و اصرار علي التجديد دائما في الشكل و في المضمون و في التناول . تعجبني قصصة القصيرة المفعمة بالحنين لأيام شبرا حيث أيام الصبا لأجدني أغوص في عالمها مغترفا الكثير من سحر ورنين الكلمات التي تحملنا للحنين إلي الماضي . درة انتاجه الروائي " خمارة المعبد" رواية تلاقي الحضارات والتي تتناول فترة سفره ودراسته للخارج في سيمفونية جميلة مبدعة  أراها تقف علي قدم المساواة مع رواية مثل " موسم الهجرة للشمال " للكاتب الطيب صالح وإن اختلفت المشارب وطريقة التناول لكنه نفس النبع و نفس التيمة : التلاقي مع الحضارة الأخري

كاتبنا المبدع يعشق التكثيف و يميل إلي اختيار كلمات السرد بعناية و دقة يحسد عليها . تراه قلقا يعذبه السرد و تعذبه الكلمات و يسيطر عليه الإحساس الذي يريد أن ينقله للقاريء الذي يقدره .

هيا بنا الأن مع كاتبنا الدكتور بهاء عبد المجيد في قصته " أشباح دانتي " لنجد أن الاسم نفسه يحمل من الدلالات الكثير و بخاصة كلمة دانتي وترابطها مع الكوميديا الإلهية و عالم مابعد الموت الذي نخمن مافيه من صور و ألوان و حكايات و مغامرات . تواجهنا قصة قصيرة مكونة من ثلاث حركات كالسيمفونية الجميلة ، فنجد في الأولي "انتقام أسمهان "و في الثانية "هاملت" و في الثالثة "ليلي و الحيران"

في الجزء الأول من القصة " انتقام أسمهان " نجد أسمهان المطربة التي يلف موتها الغموض تترايء للبطل هناك حيث يخبرنا الراوي بأنها هناك في الخلف في إحدي الاجتماعات في فستناها الأبيض رمز البراءة و في كامل و بهاء ثيابها و لأن كاتبنا فنان و مجيد و عاشق للغناء نراه يدخلنا بسرعة إلي عالم "أسمهان " بمقطع من أغنيتها " ياللي هواك شاغل بالي في غرامك ياما أنا آسيت ... "  ينتهي هذا المقطع بكلمات الراوي حيث يردد " سأل نفسه لما تفرقنا السبعون سنة التي اختفت فيها منذ غرقها أثناء فيلم غرام وانتقام .. فروحها تحوم حولي و معي الأن " شاهد جمال اللفتة في السرد، إنه ينتقل من الراوي إلي بطل القصة مباشرة كأننا أمام كاميرا تبتعد لتظهر لنا البطل ثم تندمج مع البطل نفسه و تصير كعينيه التي يري بها الأشياء . يمارس الدكتور بهاء عبد المجيد هذا التكنيك الفني كثيرا في روايته " النوم مع الغرباء " التي تتواشج فيها أساليب السرد و الرواه مع الأبطال و الأحداث في تضافر عال و جميل كأنه معمار فني متكامل.

في الجزء الثاني من القصة نري لقطة أخري تحت مسمي " هاملت " و التي نري فيها تأثير دراسة الكاتب للأدب الإنجليزي و لكن الجميل في هذا المقطع  الجزء الأخير منه الذي أريد أن أتناوله ، حيث يتحدث عن " كيف نحل المعضلة بين الحب و القتل ؟ الفساد و القبح يملآن الشوارع  أحيانا يميطهما جانبا و يداريهما بعباءته السوداء و يقطف الزهور و يلقيها علي كومات العفن و الجماجم التي تغرق المدينة المخيفة"

ما الحل أمام هذا العالم الغريب عالم الأحياء المليء بكل هذه البشاعة ، إنه الإنطلاق إلي عالم الأموات لعل هناك الحل ، و هذا ماسنجد كاتبنا المبدع يتحدث به علي لسان راوي القصة و هو يصف بطله " يهرب أحيانا تجاه المقابر التي تواجه شوارعنا و يتحدث لحفار القبور لعله يجد الحكمة و المعرفة عند الموتي بعدما قتلها عالم الأحياء ".

أي جمال ينتهي به هذا المقطع الثاني من هذه القصة لنرتمي في أحضان تساؤلات عديدة عن جدوي مايحدث في هذا العالم من فساد و قسوة و عفن و موت تمثله الجماجم و ماتثيره من هلع في نفس القاريء .

ننطلق إلي الجزء الأخير من هذه القصة القصيرة المتميزة تحت مسمي " ليلي و الحيران " و كأننا كلنا حياري مع ليلي مراد التي اخترقت العالم الأخر لتترايء لبطل القصة و يتحدث معها و حينما يريد المزيد من التواصل ، نجد رد " ليلي مراد " الحاد و الحازم :

سأذهب فلا يجب أن يراني أحد فأنا الماضي و يجب أن أحافظ علي ذكراه العطرة ثم مشت و التفتت و قالت تحياتي للسيد الوالد " و حينما حاول بطل القصة إطالة الحديث جاءه الرد المفحم من قبلها "لا أحتاج إليه فقد تركت المدرسة و الحياة ربما نتقابل معه في مكان أكثر رحابة و سعادة " في عبارة كأنها الصدمة و لكنهم الأموات لايرحمون .

تنتهي هذه القصة القصيرة بمقاطعها الثلاثة و لاينتهي الشوق إلي إعادة قراءتها المرة تلو الأخري من أجل فهم الحياة التي نحياها و معايشة هذه الشخصيات التي تركت آثارها علي العقل الجمعي مثال المطربة الراحلة "أسمهان" و المطربة "ليلي مراد" و مع هاتين هاملت الذي خلده شكسبيرفي مسرحيته .

تحية لكاتبنا المبدع الدكتور/ بهاء عبد المجيد في قصته القصيرة "أشباح دانتي "المنشورة في إحدي الجرائد اليومية " الأخبار" علي إجادته في هذا السرد اللاقط لمشاهد من الحياة وأحداثها مع تجديد في الشكل و المضمون باقتدار و مهارة بالغين.

التعليقات