نادين بدراوي تكتب: لحظة الابتعاد الكامل

أتذكر أن جسدي كان ساخناً و شعرت بالبرد... أتذكر لحظة الابتعاد الكامل بوضوح ... كانت دقائق معدودة لم تشكل جزءاً من الساعة. لم أتصور فيها أن يتجاوز قلبي حاجز الحماية الخاص الذي غزلته له من سنوات الآلام.

لحظة النظر إلي جسد صديقتي الذي فارقته الروح لحظة الوداع التي لم تحدث.... تلحفت القوة للنظر في عينيها المفتوحتين المرهقتين ولكن كل ما منح للبشر من قوة في هذا العالم لا يكفي للوقوف أمام دموع الحياة المحبوسة في عيون روح أرادت البقاء.

لحظة فصلك عن العالم بما فيه فكل شئ يبدو بعدها بعيد و كل شخص بعيد إنك في نقطة خفية في آخر أركان الواقع... يعيدك الموت خارج الحياة حتي إن لم تكن أنت المتوفي ... تتحول من ساكن للحياة إلي مار بها تتأملها تنظر إليها بجدية شديدة تصل حد الهزل لتتسلسل بعدها لحظات الكشف عن كل ما هو قيم في الاستمرار و يسقط كل الهراء الذي كنت تكترث من أجله في حفرة زمنية ما.يصيبك الموت بالابتعاد.

منذ تلك اللحظة أصبحت خارج كل المشاهد والأحداث يصيبني الابتعاد في أكثر اللحظات حميمية إنه الانفصال عن الماضي الحار الذي خلفه الحاضر البارد الذي لن يكون أبداً ببرودة المستقبل. أعتقد أحياناً أن عدمية هذا الابتعاد قد تؤدي بي إلي أن أغفر كل ما فعلته الحياة بي.

قد تصبح الصورة أكثر وضوحاً و لكنها حتماً ستكون أكثر ظلاماً. الابتعاد الآمن اللعين تغرق بداخله لتستوطن الفراغ كحمي دائمة لا تكف عن الحركة بداخلك بحثاً عن مخرج و لا تجد. في الابتعاد مصطلحات كالحب و السعادة أصبحت تافهة لا يوجد شكل معين للأماني فكل ما تتمناه في الإبتعاد أن تظل في الخارج فهي المسافة الأقرب للخروج الأخير.

لا أعلم إن كان هذا الابتعاد مرض أم علاج و لكن لا تبدو مقايضة الإدراك بالإنفصال عادلة و لكن أيوجد ما هو عادل علي هذه الأرض؟ أيوجد اقتراب غير حارق جسد لا يخون روح ليست حبيسة حب يدوم حنان لا يجف رفقة لا تنقطع وحدة طيبة وقدر غير متوحش؟

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني  [email protected]

التعليقات