أشرف الصباغ يكتب: شادية.. أقوى من الزمن وأبقي من النسيان

 

 

 

مكانش فيه راديو في الدار الكبيرة الواسعة.. كان فيه 4 راديوهات بس في البلد كلها: واحد في دوار العمدة، وواحد في بيت شيخ البلد، والتالت في دوار أخو العمدة اللي ماسك منصب شيخ الغفر وصاحب بساتين الفاكهة، واللي بيشتري من الفلاحين كل حاجة عندهم من المحصول لغاية البط والفراخ والمعيز والخرفان.. والراديو الرابع كان في الجمعية الزراعية، وبيشغَّلوه يوم الخميس من كل شهر، وأهل البلد كلهم بيتجمعوا في ساحة الجمعية ويقعدوا يسمعوه لغاية الساعة 12 بالليل.. بس الغريب إن البنات كانوا دايما يغنوا أغاني شادية وهم رايحين جايين بيعملوا شغل الدار الكتير: خبيز وغسيل وميه للطيور وعلف للبهايم وأكل للجدات العجائز وعناية بالقطط والكلاب بتاعة الدار..

لغاية دلوقت بسأل نفسي: هم كانوا بيتابعوا أغانيها إزاي، وكانوا بيحفظوها إزاي؟!! كانت الأم وزوجات الأعمام يبصوا لبعض ويبتسموا لما يشوفوا البنات الصغيرة بيتنهدوا وبيغنوا أغاني شادية وبيهزوا صدورهم وبيتلوعوا.. غاب القمر يابن عمي.. ولما يوصلوا لـ "ملِّس على شعري ورماه عليك حكايات".. تزعق إحدى الجدات من بعيد، وهي بتحني شعرها، بصوت بين الفرح والغنج والتدليل وتقول: يابت اطلعي إنتي وهي اسقوا الحمام فوق.. قلة أدب صحيح.. وتضحك الأمهات وزوجات الأعمام، تنظر كل منهن للأخرى، وتغمز غمزة شادية، زي قُصِّة شادية بالظبط..

في الليالي المقمرة كانت الصبايا يجتمعن أمام الدار تحت ضي القمرة، ويغنين أغاني شادية: مين قال لك تسكن في حارتنا.. وخمسة في ستة بتلاتين يوم.. تهمس كل منهن في إذن الأخرى، فتلمع عيونهن ببريق لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر.. يتنهدن ويدندن: والنبي وحشتنا..

كنت صغيرا، وكنت أرى قلوبهن ترتجف في وجل، وأرواحهن ترفرف من أول الكون لآخره.. كنت أرى صورتي قمرا صغيرا منتظرا في بريق عيونهن الذي يعكس البحر الكبير الذي يحيط بالقرية، وتشق فروعه الطريق إلى قلبها وقلوب الغيطان وقلوبهن، وتمر من تحت جذع الجميزة العجوز التي تلقي بتينها وظلها على أجساد الصغار وهم عرايا ينزلون إلى المياه ويخرجون منها، ويعتلون فروعها الضخمة، يقفزون مثل القرود مرة أخرى إلى مياه النهر الجارية..

جميزتنا الجدة كانت تخفي أيضا أجساد الصبايا الأبانوسية التي تزينها قطرات الماء الفضية في الليالي المقمرة وهن يسرقن لحظات الحرية في غياب عيون الرجال.. يخلعن ثيابهن وينزلن إلى الماء فيتزلزل الكون فرحة ورغبة وصلاة، يتعالى الهمس، وتصدح الأرواح بأغنيات شادية. وتكتم جميزتنا القديمة أسرارهن الصغيرة، حتى أن لحاءها امتلأ ذات يوم بالكلام والحكايا وناء بحمل الأسرار، فخاطبت الرب مناجية، فمنحها المزيد من العمر والطاقة لتسجل أحلام الصبايا وأسرارهن في اللوح المحفوظ..

كن يحكين الحواديت، في الليالي المقمرة، يتهامسن ويضحكن في غنج وخجل.. وفي السر، هناك خلف الأبواب، يبكين بشدة.. لا تعرف من الفرح أم من الحرمان أم من غياب "القمر"، وربما من طول الانتظار أو من الغياب!!.. وكان صوت شادية هو المطر والغيث وشفاء الروح.. فيغنين أغانيها وتدمع العيون، والشفاه تبتسم، والقلب الأخضر يرقص هناك بين ضلوع تكتمل حبا وحلما، وانتظارا للقمر التالي، وأغاني شادية الجديدة، وصوت الليل المصري، والقمر المصري، وحواديت الجدات والخالات والعمات، وهمس الليالي ورائحة الأرض والزرع، وانفاس شادية التي كانت، وما زالت، تتوسل: قولوا لعين الشمس ما تحماشي..

شادية، الكون والقلوب وهمس الصبايا وعزة الرجال.. شادية، المنح والعطاء ورجفة الروح.. شادية، "أقوي من الزمن"، وأبقى من النسيان..

 

 

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني: [email protected]

 

التعليقات