محمد هلال يكتب: مستر كاراتيه في شوارع لوران الجانبية

 

 

في أواخر التسعينيات انتقلنا من مدرستنا الإبتدائية القريبة من منازلنا الى المدرسة الإعدادية. مدرسة مكتظة بالتلاميذ، هم أنفسهم تلاميذ مدرستي الإبتدائية وغيرها من المدارس المشابهة. كانت مدرستنا الجديدة في حي راق قريب من البحر.. كانت في لوران. في البداية شغلنا قربنا من البحر عن شوارع لوران الجانبية، لكننا اكتشفناها سريعا، كانت شوارع هادئة جميلة مليئة بالأشجار.. لم تكن كحالها الآن مكتظة بالعمائر العالية والمكتظة بالسكان، لم تكن شوارعها مليئة بالسيارات، لم تكن جحيما يعيش على ماض فردوسي كالآن، كانت فردوسا حقيقيا. فيلاتها وحدائقها أشبه بقصور الجنة التي أخبرونا عنها في المساجد وفي حكايات أمهاتنا.

 

 كانت مدرستنا الجديدة، لكثافة عدد التلاميذ بها مقسمة إلي فترتين صباحية ومسائية، فترتي المسائية تبدأ في الثانية عشرة والنصف ظهرا. في العاشرة صباحا نهرب من أحيائنا الفقيرة والعشوائية إلى جنّة لوران، كان ل" شّلتنا " شارعا جانبيا، من تلك الشوارع المليئة بالفيلات، نلعب فيه كرة القدم أو نلهو بأي شكل، ساعتان قبل الدراسة، ساعتان مسروقتان من رقابة الأهل والمدرسين والمجتمع.

 

 كان صاحب الفيلا التي نجتمع ونلعب أمامها لطيفا، لم ينهرنا مرّة واحدة على صخبنا، كنا نراه يوميها خارجا بسيارته المرسيدس السوداء من جراج الفيلا، كل يوم في الحادية عشر صباحا ، نفسح له الطريق، نزيح حقائبنا المدرسية التي نستخدمها كعارضات مرمى ملعبنا الصغير، فيحيينا بابتسامة تشجيع على استمرار اللعب، ويسعدنا بكلاكس سيارته مرّتين قبل أن يصل لنهاية الشارع القصير.

 منصور حارس الفيلا، شاب أسمر، ممشوق الجسد، أميل لقصر القامة. كان في السابعة عشر من عمره تقريبا وكنا في الثانية عشر، ربما لطبعه الريفي وقله تعليمه كان يمتاز بسذاجة لطيفة، تدفعه للعب معنا كطفل في عمرنا، كانت سذاجته تضحكنا كثيرا. جاء منصور من إحدى قرى الدلتا ليعمل حارسا للعقار بديلا لأبيه المتوفى، لم ير منصور أبيه تقريبا، ربّته أمه في بيت أخواله بعد أن تطلقت من أبيه، لا أعلم في الحقيقة مدى صحة تلك المعلومات، هذا ما سمعته وقتها.

 

 منصور كان شبيها لأحمد زكي فعلا، في ملامحه وحركاته حين يؤدي، أحمد زكي، دور الشاب الريفي، كدوره في البرئ، تلك الفترة كانت بداية عرض فيلم مستر كاراتيه في التليفزيون، ربما لهذا السبب أحب منصور أن يتعلم رياضة قتالية ليدافع عن الفيلا ومقتنياتها أمام اللصوص الأشرار الذين تخيلهم في خياله يسرقون الفيلا، ويتصدى هو لهم، مثل بروسلي أو أحمد زكي، "بقبضته الدامية ". لم تكن رياضته القتاليه هي الكاراتيه كالفيلم . كل يوم في الرابعة عصرا يذهب منصور بالقطار من فيكتوريا للظاهرية ليتعلم هناك في مركز الشباب رياضة الكونج فو.

 

 صديقي، في تلك الفترة، إسماعيل كان بهلوانا حقيقيا. يسير علي يديه من بداية الشارع لآخره ويعود دون أن يقع. أو يقفز ويستدير في الهواء دون أن يسقط إلا على قدميه، كان الوحيد حينها حليق الرأس تماما بيننا، ربما إعجابه بمهنة أسرته، مهنة الجزارة، كانت تدفعه لأن يُظهر نفسه بمظهر رجل قاس. كان طفلا، بهلوانا، متهور محب للتحدى، ويكره أن يتفوق عليه أحدا في أي أمر جسماني. كل ذلك هو ما دفعه لتحدي منصور لإقامة ماتش كونج فو بينهما. وقبل منصور ذلك التحدي.

 

 وقفنا في دائرة نهلل لتلك المباراة، انقسمنا بين مشجع لمنصور ومشجع لاسماعيل. في البداية قدم منصور عرضه البهلواني وسط تصفيق وصفارات وهتافات تشجيع سدد بعدها اسماعيل ضربتين واحده بيديه تفاداها منصور والآخري بقدمه صدّها منصور وسدد لكمة مباشرة لوجه إسماعيل، في عينه اليمنى تماما، وسقط مغشيا عليه. بعد لحظات وزجاجة مياه صببناها على رأسه أفاق إسماعيل وهو يضحك وحول عينيه هالة سوداء كبيرة. بعد أن أفاق انسحب منصور داخل حديقة الفيلا ليكمل بكائه كطفل صغير.

التعليقات