محمد هلال يكتب: حين تمطر

 

 

كنت صغيرا أهرول في ليلة شتوية قارسة البرودة شديدة المطر متعجلا الوصول للبيت كي أستمتع بدفء البطانية، متمنيًا فيلما جيدا أشاهده مع صوت هطول المطر خارج النافذة الذي طالما أحببته. فرأيت رجلا وامرأة وابنتيهما يسكنان دورا أرضيا منخفضا قليلا عن مستوى الشارع عرايا القدمين والساقين ينزحون ماء الشتاء بآوانٍ صدئة خارج المنزل.. غير قادرين علي إيقاف ارتفاع منسوب المياه تحت أقدامهما ..

نظرت للذي في السماء أستجديه أن يوقف المطر فلم يحدث.

***

في المقهي الصغير خلف الزجاج اعتدت الجلوس كل مساء قتلا للوقت، ربما هربا من نصائح الأب عن الحياة وذكريات الحرب التي أرسل إليها دون أن يعي الهدف أو الغاية منها رأيتهما. طفلان بملابس رثّه مهلهلة كأنها صنعت من كفن موحول في مقبرة نتنة من سنين. يجلسان بجوار أحد أعمدة الكوبري المواجه للمقهى. أحدهما يزيد عن الآخر بعام أو اثنين بالكثير ويبدو أنه يمتلك الزعامة علي الطفل الأصغر المائل للأنوثة. يقوم الطفل الزعيم بتقسيم ما جمعاه طيلة اليوم من نقود قليلة وبعض بقايا أطعمة المطاعم البرجوازية، يبدو من ملامح الطفل الصغير أن القسمة غير عادلة لكنه لا يحاول الاعتراض. مع هطول المطر يختبئان في تلك الزاوية أسفل بداية الكوبري يحتضن الطفل الأكبر الطفل ذو الملامح الانثوية ومع تزايد زخات المطر تتزايد حركة الطفل الزعيم جلبا للدفء دون اعتراض أو تأوه من الطفل الأصغر .

سألت الذي في السماء أن يوقف المطر فلم يحدث

  ***

كان قد نفخ في الصور وتحركت الجموع كالموج في اتجاه أكبر ميادين العاصمة. تتزايد الجموع كلما تقدمنا  في المسير. كأن أنهارا من البشر تتلاقي فتشكل نهرا أكبر يصب في الميدان الواسع .يبدو من ملامح وجوهنا  بأن شيئا قد تغيّر بأن أملا قد بعث فينا فجأة وبأننا سنصل للميدان مهما كلّف الثمن. كانوا علي الجانب الآخر بملابسهم الرسمية الواقية، بعصي وبنادق في انتظارنا. وكان أحد الشباب محمولا علي الأكتاف يهتف للخبز والحرية راسما بيديه علامات النصر. علي الجانب الآخر يتأهبون للهجوم يتقدمهم شخص عظيم الحجم وما أن بادر بالإشارة حتى أمطرت الدنيا علب صفيحيه تبعث غاز خانق وسط زخات من رصاص يصفونه حيا ولا يسبب إلا الموت. تفرقت الجموع وتساقط البعض وهمّ البعض بالفرار .

بحثت عن الذي في السماء كي يوقف هطول المطر فلم يحدث .

***

حين تمطر. أخرج عاري الصدر والقدمين أتجول في الطرقات الموحلة. حاملا صليبي علي كتفي غير عابئ بهطول المطر.

التعليقات