أحمد عيد يكتب: سمكة ضالة‎

في يوم الحادي و العشرين من مارس،  الموافق عيد الربيع و الأم و الحب و الطبيعة،  نهض الصياد العجوز من فراشه مُبكرًا إثر الضياء التي خلقتها الشمس الذهبية المُنعكسة من علي مياه النهر الرقراقة علي سقف غرفته ففر النوم من غرفته بل من الكرة الأرضية كلها ليذهب إلي مكان آخر. تناول الإفطار و القهوة و السجائر وجاءت بباله فِكرة طائشة ألا وهي لما لا يخرج للصيد اليوم،  الجو صحوّ مُبهج لا ينقصه سوى سمكة فضية تحت شمس زهبية تخرج من مياة فيروزية.

عدة الصيد نسجت عليها عنكبوتة عجوز خيوطها اللامعة،  لكنها ضعيفة وليس من العسير عليه أن يُزيلها،  وبعد تنظيف أدوات الصيد شعر أن صنارته قد إحمر وجهها بعدما عاد النبض إليها بين يديه الخشنتين.

همّ بالسير نحو باب بيته فوجد أنه أمام العديد من الأفكار فكان هناك أحدهم يُشجعه علي النزول للصيد و الآخر يخبره بأن للفراش دفء غريب سيُذهب بكل التوتر من عقله،  و فكرة أُخرى تُخبره أنه إن فشل في الصيد فسينال قسطًا من البهجة يُزيب جليد الشتاء من علي قلبه الكبير. كان في حيرة عميقة حقًا، فكلما هبّ المرء بفعل شيء يرغب فيه هجمت عليه الأوهام فجعلته شيئًا عسير المنال.

في الطريق من بين أشعة الشمس ظهر له قط ضخم فوعده بغداء لا يُنسى،  فماء القط و هز ذيله بسرور كالكلاب الوفية فضحك العجوز،  ومضى في طريقه نحو النهر بدون تردد أو أفكار تشاؤمية،  كل تركيزه كان منحصرًا في السمك و الصيد و الرزق الوفير .

تحت شجرة كبيرة بسط عدته و فتح صندوق الطُعم،  قمح مسلوق سيتحول بفعل الماء إلي قرعًا عسليًا عِملاقًا فيجذب أفواج الأسماك التي ستقفز مُباشرة إلي سلته،  دون الحاجة إلي مجهود أو عناء،  ستخرج وحدها من الماء حتي لا يعود وحيدًا في مثل هذا اليوم المليء بالسرور. ألقي بالشص لأول مرة منذ أعوام فسمع صوت إرتطامه بالماء نافذًا إلي أعماق النهر،  سمع صيحات من جماهير الأسماك تُبارك له رميته التي طالما إشتاقت إليها . أخذت نسائم الهواء تحمل الندي ليُبلل جبهته العريضة و تحمل شصه وفقما تشاء،  الشص يتحرك يمينًا ويسارًا، لأعلي و أسفل.

الشجرة تُلقي علي رأسه أوراقها،  فينظر لها و يضحك،  فليتبارك خالق هذا الكون،  الشص يتوقف عن الحركة،  فيحاول أن يستشعر بخيط السنارة،  لكن دون جدوى لا أثر لحياة في خيطه؛ فيجذب الخيط لا توجد سمكة فضية.

أخذ يضحك بصوت عالي لقد نسي الصيد و هابه مشهد الأسماك تحت الماء تسخر من بلاهته، تذكر أول مرة ذهب للصيد كان هاربًا من المدرسة،  ولم يُفلح في هذا اليوم البته،  كل ما نجح في إصطياده هو علقة ساخنة من أُمه،  وركلات من زميله الزي رفض أن يصحبه معه .. حقًا إيقاع الحياة سريع من يُصدق أن أبطال تلك الذكرى تحت الثرى الآن .

 

فليرحمهم الله !!

صاح هكذا دون مُقدمات، فنهره شاب يصطاد بجواره، مُحذرًا إياه أن بهذه الطريقة ستهرب الأسماك،  فبلع ريقه وأشعل سيجارة،  وأعاد إمداد سنارته بالذخيرة المسلوقة و ألقاها بقوة وما إن إقتربت من صفحة النهر حتى سحب الخيط برشاقة فسقط الشص في الماء في صمت،  فابتسم بجانب فكه لأن السيجارة كانت تتدلي من زاوية فمه الأخري،  فرأي نفسه كما كان مُنذ أربعين عامًا.. مرت سريعة للغاية بدأت السُحُب التي شكلّها دُخان سيجارته بهطل وابل غزير من أمطار الذكريات.

لا لن أسرح مع الذكريات !!

فنظر له الشاب و أشار له بوضع إبهامه على فمه، فصمت العجوز،  أعجبته بلاغة الشاب،  أخذ يلهو بخيط السنارة و يسحبه و يرخيه،  عينيه كعين كلب علي فخذ من الضأن،  فتوقفت الكرة الأرضية عن الدوران،  وصمت الربيع وسكن النهر و توقفت الشجرة عن إلقاء الأوراق،  صار الكون ممهدًا لتغمز صنارته،  فصاح بكل ما أوتي من قوة

هيا الآن !!

وهم بجذب صنارته رغم النيران التي خرجت من رأس الشاب في الجوار،  وسحب السنارة و خرج الشص من الماء وعاد الكون للحركة مرة أخري و دارت الأرض،  فوقع عليه كيس أزرق مليء بالمياه فضحك الشاب والشجرة و غرق العجوز في الكيس الكبير ..

نهض حاول فك الكيس العالق بالخبط فزاد ثيابه بلة،  فقطع الخيط،  وأخرج سنارة أخري كانت مُخصصة للصيد أيام الثلاثاء،  و وضع بها حبة من القمح،  و ألقي و رمي الشص مرة أخري وبمجرد أن لمس الشص سطح النهر فوجد يدًا ثقيلة تربت علي كتفه .. فقفز و نظر نحو صاحب اليد،  فوجد شرطي.. ينظر له بغضب أأنت الصياد العجوز؟

فرد عليه نعم و هز رأسه!

أنت مقبوض عليك .

لماذا؟ سأله في إستنكار وخوف.

لأنك وعدت قطًا بالغداء، لكنك لن توفي بالعهد.

لماذا؟

لأن نصف اليوم  قد مضى ولم تنجح في صيد سمكة واحدة،  وعلى الأقل يجب أن تصطاد سمكتين لتأكلا سويًا وتُوفي بعهدك له.

سأنجح،  قالها بثقة سيوفقني الله،  فهو أعلم بالنوايا.. لا مفر من "النجاح" وصرخ عاليًا.

ونهره الشاب و نظر بتوعد لرجل الشرطة،  فصمت رجل الشرطة و العجوز.

واصل رجل الشرطة حديثه ليس أمامك سوى ساعتين لابد أن تقتنص صيدك من النهر،  لا مفر من ذلك و إلا ستُقدم إلي العدالة بتهمة خداع قط خداع قط،  خداع قط .

يا رجل هل نمت؟ السمك سيأكلك،  صاح الشاب ففزع العجوز من نومه،  حاول إستيعاب حاله و أين هو الآن فتذكر رحلة الصيد ومُحاولته للخروج من الجبس الانفرادي، وجد أن الطعم قد أُلتُهم بالكامل، ولا أثر له نهائيًا.. تذكر الشرطي والهذيان والنوم .. فجهز سنارته مرة أُخري وعندما حاول إلقائها.. ربت علي كتفه كف عريض،  فنظر خلفه فوجد شرطي آخر لم يكن نفسه الذي ظهر له في نوبة الهذيان السابقة .

أانت من أخرج هذا الكيس الأزرق من النهر؟

نعم، لكنني لم أقصد،  فقط أخطأت الصيد.

لا نصطاد الأكياس بالخظأ يا صديقي، النهر لصيد السمك فقط وكل ما عادا ذلك يضعك تحت طائلة القانون .

حاول العجوز أن يسحب جسده من تحت يد الشرطي فاصطدم بالشجرة،  فطارت منها مئات العصافير،  فاكتفي الشاب الساخط بالنظر له بغضب ..

لقد صرت مُخرفًا .. صاح العجوز،  ولم يُعَقِب الشاب ..

لماذا أتيت هنا لأنام في الشوارع؟

قالها لنفسه بصوت لم يسمعه سواه،  نظر إلي النهر و تذكر أن كل من يعرفهم مضوا بعيدًا،  فما فائدة الصيد؟

 

التعليقات