محسن صالح يكتب: الأربعون حرامي

 

تدق الضحكات الرنانة في الدور الثاني. يسمع لها صوت علي الجدران كأنها يد شيطان أو عملاق ممن نراهم في الأفلام وهم يحاولون الخروج من زنزانة خانقة تشل حركتهم وتأخذ بخناقهم فيدقون بأيديهم وأقدامهم العملاقة علي كل ما حولهم حتي يتحقق مرادهم. تتواصل الضحكات في سيمفونية تعلو علي أصوات تليفزيونات الجيران. يتوسط أبي الجلسة علي السطح أو مايسمي بالحضير. عيناه مملؤتان بالدموع من فرط الضحك علي حكاية خالي عبد الغفار الذي تجاوب مع أبي  في ضحكه و سرعان ماانتابه سعال مكتوم انفلت إلي كحة حادة استمرت للحظات.

قال أبي لخالي:

- وعملت إيه ياعبدو

رد قائلا:

-أبدا رجعت بضهري م الخوف لحد ماوقعت علي الأرض و مش عارف أصرخ و الدم نازل من رأسي و عيني عليهم.

يرد أبي من بين ضحكاته وأمي في نفس واحد:

-هو كان عددهم كبير

يعلق خالي في دهشة من عدم معرفتهم لعدد الحرامية في تلك الحادثة:

-أيوه أربعين حرامي بالتمام. أنا في الضلمة  شايفهم و هما في غيط الورد قاعدين وقدامهم النار و بيشوا درة ومش شايفني.

يصمت قليلا  وهو يتنحنح وكأنه بهذه الحركة  يدفع الذاكرة كي تسعفه بالتفاصيل:

-كانوا مفتريين لم يتركوا أحدا إلا وأصابه من شرهم شيء وكدت ذات مرة أشتبك معهم لولا ستر ربنا وهذا المسدس الألماني الذي في جنبي.

هنا أخذ الحديث مأخذ الجد وخالي يعلق علي جبروت هذه العصابة  وظلمهم والإتاوات التي كانوا يفرضونها علي خلق الله وبخاصة الأغنياء في بجاحة ليس لها نظير.

صمت خالي قليلا وهو يرمي رأسه إلي الوراء في تفكر وتأثر:

-كانت أيام لم أترك حقي ذات مرة ،بل و كدت أقتل. كانوا عايزين خروف. ووقفت لهم بالسلاح

وكانت هتبقي معركة لولا وصول أبي وخمسة من إخوتي بالسلاح والرشاشات في الوقت المناسب.

كان أبي يتابع بعينيه صب الشاي في الكوب الزجاجي الكبير وهو يهز رأسه مؤكدا علي كلام خالي أو للتعبير عن فهمه و تعاطفه معه. خيم الصمت علي المكان. وإذا بخالي ينخرط في بكاء له نشيج، فلقد تذكر وفاة "عيشة " زوجته والتي كانت واقفة إلي جواره حينما سقط ساعة رجوعه للخلف علي عجلة بعد رؤية الأربعين حرامي.

جاء صوت أبي هادئا وساكنا و رخيما كمن يقر حكما:

 -وحد الله ياعبدو كلنا هنشرب نفس الكاس.. الله يرحمها

 

بعد برهة من الزمن خيم صمت مطبق علي المكان، فأبي يحتسي الشاي وهو شارد اللب وخالي ينظر إلي كوب الشاي و كأن به شيئا. تحضر أمي الكنكة لدور شاي ثاني وأنا أبحث عن قطتي الصغيرة هناك في الحجرة المجاورة وحديث الأربعين حرامي لايزال عالقا برأسي الصغير ومشهد فيلم الأربعين حرامي وعلي الكسار و البلاليص التي تتكلم يدق في ذاكرتي و كلمة "افتح ياسمسم" بموسيقاها المحببة الخالدة ترن في أذني وأنا أهرع إلي أمي وأكمش إلي جوارها ككتكوت صغير والكل يضحك علي. 

التعليقات