هند معوض تكتب: اعتدال

 

 

"لمي لي شعري يا هند مضايقني" .. شعرك الحريريّ الفضيّ ها هو يضايق عينيك مجدداً و لكنك لم تطلبي مني كالسابق أن ابعده عن وجهك .. و لكني فعلت

"ارفعي لي رجلي ع السرير يا هند" .. أرى ساقيك ع السرير وأنتِ تغطّين في نوم عميق .. على غير العادة .. لا تتأوهين من الألم على غير العادة .. لا توقظيني من نومي العميق لأرفع لك رجلك من الأرض إلى السرير الذي لم يكن مرتفعاَ بذلك القدر ولكن رجلك هي التي لم تعد تمتلك من الأعصاب ما يؤهلها لفعل ذلك

"غطيني يا هند باللحاف الخفيف عشان البطنية بتكتم نفسي" .. أرى أنك مغطاة بشرشف خفيف في عز هذا البرد و أرى سيدة تحمل معها بضع الأمتار البيضاء تنوي تغطيتك من شعر رأسط حتى اخمص قدميكِ .. حملت عنها هذا القماش الأبيض لأقوم انا بتغطيتك لأتأكد من أنه خفيف حتى تستطيعين التنفس .. لأدثرك .. لأطمئن أنك دافئة بالقدر الكافي الذي يطرد تلك البرودة التي أحسستها عندما لمستك

"سرحي لي شعري يا هند وهاتي الطرحة و هاتي البرفان من الدرفة" .. حسناً سأفعل و لكنهم يطلبون مني أن أمشط شعرك بطريقة أخرى غير التي تفضلينها .. طريقة لم أرها من قبل و هي غريبة أيضاً.. يضعون لك عطراً و لكن ليس عطرك المفضل .. يلبسونك حجاباً يظهر وجهك شابّاً كما كنت أراه في صورك الشخصية لديّ ثم بعد ذلك يغطون وجهك كاملاً ليحجبوا نوره  عن لأجواء ..

 

-----------------------

"حارة حلاوة  بجوار ابو العباس و سيدي ياقوت العرش و سيدي الأباصيري و الاتناشر شيخ – ميدان الأوليا ، بيت الحاج معروف" ... تلك "الوصفة" المبهمة - رغم تفاصيلها الكثيرة – يجب أن تساعدني في أن أصل لمنزل جدتي .. لتصل من وسط المدينة إلى طرفها،  فأنت حتماً ستمشي جزء كبير من المسافة ، و ربما في وسط الطريق ستقف داخل عربة الترومّاي لوقت ليس بقصير في تلك الوسيلة البطيئة ، أو ربما ستجلس على كرسي غير مريح تماماُ داخل "مشروع" لوقت قصير في تلك الوسيلة  "الطائرة" ..

بيت الحاج معروف الذي قارب أن يبلغ السبعين .. فضلت جدتي العودة له بعد أن عاشت أغلب سنين عمرها في وسط المدينة في حيّ راقٍ –كما يظن السكندريون .. حيّ سموحة شارع الصفا بجوار قصر الأميرة فوزيّة .. كم أحب هذا الشارع؛ قضيت به طفولتي خصوصاً أنني كنت أتنقل كثيراً مع أسرتي بين أحياء الأسكندريّة .. بيت جدتي لم يسمح ببعثرة ذكريات طفولتي مع تنقلي من حيّ إلى آخر مع أسرتي، فجمعها كلها في هذا الشارع و بين جدرانه ..

من جوار سيدي ياقوت العرش إلى جوار الأميرة فوزيّة ... هممم ماذا لو أن جدتي لم تبرح منزلها جوار"الاتناشر شيخ" ، لكانت ذكريات طفولتي مختلفة تماماً ..الشارعان يحملان ما هو متشابه .. و يحملان أيضاَ كثير من الاختلافات التي ربما تحتل الجوهر ... كلٍ له سحره الخاص .. كلٍ له حالة خاصة .. *جالت خاطري تلك الفكرة منذ وطئت قدمي مقدمة حارة حلاوة و أخذني معمار المباني و المحال تحتها*... شرعت جدتي في النداء باسمي بصوتٍ عالٍ منذ أن لمحتني على أول الحارة ، مطلّة من شباكها الذي اختارت ان يكون جواره مكانها المفضل، لم تكف عن النداء حتى أشرْت لها أطمئنها أنني قادمة .. 

 

دخلت من الباب .. ذهبت إلى أقرب مقعد جوار الشباك حيث تجلس جدتي .. و جلست أستريح .. أنهكتني الرحلة .. و السلم أيضاً ..

بضع دقائق ننظر أنا و جدتي إلى بعضنا البعض .. ثم أنهينا تلك الدقائق بابتسامة على وجهينا؛ هي تبتسم ساخرة من "شباب اليومين دول" .. و أنا أبتسم إعجاباً بمظهرها الذي بدت فيه أنها تنعم بالسلام الداخلي و الذي بدوره نقل حالة السلام تلك إليّ فخلّف تلك الابتسامة على وجهي .. هممت أحتضنها سائلة إياها عن صحتها و حالها كعادتي ، و ربما لأخترق هالة السلام حولها المُضاءة بنور شمس صبيحة يوم الجمعة و أنعم به أنا أيضاً ...

"ريحة اليود مالية البيت" أنا بدأت المحادثة .. أجابتني: "اه .. تعرفي اننا كنا بنشوف البحر من هنا.. كنت ألبس ملايتي اللف و المنديل أبو ترتر و البُرْقع .. و نتلم أنا و البنات ناخد الأكل و التسالي و نطلعوا ع الشط .. أول ما نشم ريحة البحر وشنا يحمر و الصحة تزيد فينا .. نتغدوا سمك طازة لسة طاالع من الميّة ؛ كان فيه راجل قاعد ع الشط بشوّاية يشوي سمك و الناس تاكل من عنده .. نقعد لحد الفجر و نرجع و لا حد كان يقدر يقرب لنا البت مننا كانت بـ 100 راجل .."

تحكي بشغف و أريحية نقلا إليّ احساسها هي و صديقاتها و كيف كانت رائحة البحر منعشة و كيف هو لذيذ طعم السمك و كم هي مشوّقة تلك الأحاديث التي دارت بينهن هي و الصديقات و أخذتهن إلى عوالم أخرى جعلتهنّ يجلسن في حلقة السمر حتى الفجر ..

أشارت من شباكها إلى عقار متهالك يقف بثبات مدهش أظن أن عمره يقرب من المائة ، وقالت: "دة بيت المعلمة بدريّة الخيّاطة... كنّا حوالي عشرين بنت في الشارع في سن بعض .. 14 سنة.. نلموا بعضينا و نروح للست بدرية الخيّاطة نتعلموا معاها الخياطة و التطريز و نقفلوا فساتين أفراح و بدل سهرة و نقعدوا عندها لحد ما الليل يليّل .. كان تمن تعليمها لينا شغلنا معاها.. و يوم الحد كان أجازتنا .. كنا نروح على ميدان المنشيّة نشتروا جهازنا .. نشتروا "تييل" و نروح عند الرسامين نعملوا اطقم سرير و "قماش" و "حراير" و "ستان" عشان نعملوه ارواب و قمصان نوم و نجيبوا صيني ، كان كل اللي معاه قرش يجيب بيه حاجات و يشيلها.. كنا دايماً مع بعضينا، هم ييجوا عندي يوم و انا نروح عند حد منهم يوم و كتير بنتجمعوا عند بدريّة الخيّاطة؛ نشتروا السمك و أم الخلول و جندوفلي و نروحوا نتغدوا عندها في الحوش بتاع بيتها .. كان ليها بيت من بابه .. أم بدريّة الخياطة الله يرحمها – كانوا يقولوا لها أم حمادة - كانت تحضر لنا الغدا و تعملنا الشاي و "النسكافيه" و احنا بنشتغلوا و نقضوا اليوم هناك و نروّحوا بالليل ..." .... قاطعتها ضاحكة :"كان على أيامكو فيه نسكافيه يا تيتة!!" .. .... "قهوة باللبن يعني" .. قالتها بجديّة و كأنها تعاتبني أنني أخرجتها من حالة الغرق الإرادي بذكريات ليالي السمر "الحلوة" التي عاشتها يوماً مع صديقاتها  بسؤالي الساخر السخيف .. و أظن أيضاً أنها تعاتبني على عدم تقديري لما فعلته من تقريب بين زمني و زمنها بوصفها "القهوة باللبن" أنها "نسكافيه" ... و كأنها أرادت أن تدخلني "حوش" بيت أم حمادة لتريني أين جلسن الفتيات و أين ضحكن و ربما غنين معاً أيضاً لطيّ وقت انعكفن فيه على تطريز ذيل فستان زفاف طويل لا انتهاء له...

 

سكتنا عن الكلام و كلِ فيما قيل سارح .. عيْنا جدتي تطل من النافذة أمامها ، معلّقة بمنزل "بدريّة" و على وجهها بسمة تتسع و تنكمش حسب ما تستدعيه  من صور و ربما رؤى بمخيلتها  لأحداث مضت في المنزل المقابل .. أما أنا فعينيّ تعلقت بوجهها هي .. يدور رأسي حول كونها امرأة ذات هدف .. تعمل له و عليه .. أسمع أن الآباء دائماً ما يحملون همّ البنات و جوازهنّ و جهازهنّ .. لكن ليس "اعتدال" من "تحمل همها" .. إنها ليست من هذا النوع .. بل هي فتاة تحمل معك همومك ليخف وزنك فتندفع للأمام .. أياً كان دورك في حياتها؛ أب.. أم .. زوج .. أبناء .. و ربما أصدقاء .. امرأة كالبناء لها ظلها الخاص و الّذي يبدو آمناً .. أظنها لم تعش في شقاء البحث عن ظل رجل لتحتمي به .. بل كانت محظوظة في أنها وجدت رجلاَ أرسى ظله "بجانبها" لتتسع المنطقة الآمنة لهما معاَ إذا تعامدت الشمس على أحدهما و فقد ظلّه لوهلة، فسيجد ظل الآخر ممتد أمامه يحتمي به دون خجل حتى يستعيد ظله من جديد و هكذا دواليك .. هذه المنطقة الواسعة كانت تتسع لأاولادهما و أصحابهما و جيرانهما و أحفادهما أيضاَ... رغم أن هدفها يبدو و كأنه "الزواج" إلا أنني أظن أنها كانت تهدف إلى تكوين ظلها الخاص .. و عندما تجد الظل المكافئ ، سيضيف لهذه المساحة .. و يعيشا في "براح" ..

 

قاطعت الصمت بجملة جدتي المفضلة: " أنا جعانة ، بعد مغامرة النهاردة.. مش هناكل بقى يا تيتة واللا ايه .." ..

هي: "يللا كله جاهز ع التحضير .. فاضل بس أحط "البَرَاني" في الفرن و نعملوا السلطة" ..

قلت معاتبة: "عملتي الأكل لوحدك برضه مش قلت لك استنيني، كنت عايزة اساعدك"..

و تابعت بعد ثواني مبتسمة .. "هو يعني ايه "بَرَاني" أنا فاكرة انك قلتي لي قبل كدة" ...

هي: "يعني بامية بالتقليّة" ..

أنا: "اممم ماشي ، تموتي انتِ في الأكل الصعيدي .. بعد ما فتحتي نفسي ع السمك و أم الخلول بحكاياتك" ..

هي: "بطلي لماضة و قومي يللا هتعجبك البَرَاني"

جمعتنا "الطبليّة " و بدأت في أكل ما يسمى "بَرَاني" و أمامي ما لذ و طاب من الطعام الصعيدي بأسماءه المريبة ذات الوزن الثقيل .. و كأن من أسماها أراد أن يعلمك  مسبقاً بدسامة الأكل من خلال وزن الاسم و يترك لك حريّة الاختيار بعد ذلك في أن تأكله أو لا ... و رغم كل هذا، أجده لذيذ حقاَ ..

ابديت اعجابي بالطعام  و لم أتوقف عن الأكل ، رغم دسامته .. فردت جدتي موبخة: "دة كدة تقيل .. انتي ما شفتيش الأكل على أصوله في الصعيد .. الفرن الصعيدي المبني من الطين بيخلي للأكل طعم تاني.. و الحمام و "الدِبداب" .. " .. لم أعلق بعد ما سمعت هذا الاسم العجيب على لسان جدتي .. إنه "الدِبداب" يا سادة و كأنه اسم وحش يهاجم مدينة؛ ابتسمت سراَ و أكملنا طعامنا في صمت لدقائق أفكر .. يبدو أن لجدتي ذكريات أخرى في منطقة أخرى و من الواضح أنها تكن ولاءاً لا بأس به لتلك الذكريات .. فضولي دفعني لاقاطع الصمت بسؤال: "إزاي جيتي من الصعيد لاسكندرية .. كان عندك كام سنة؟"  .. انتظرت عدة دقائق حتى سمعت الرد،  فجدتي تقدس الجلوس على مائدة الطعام ، و في تناول طعامها تعطي كل خطوة حقها من الوقت .. و عادة هي آخر من ينتهي من طعامه ..

"احنا من جرجة.. لنا بيوت و أراضي .. كان جدك –والدها- مطلوب في الجيش .. و كان شيخ الغفر بيطارده في كل مكان و بيستنّاه قدام البيت .. أبوه قال له "اهرب، روح شوف حالك في بلد تانية" ، الجيش أيّاميها كان صعب .. قام راح ع الاسماعيلية و بدأ يكوّن نفسه .. أول ما اشتغل اشتغل مع السلطة في قناة السويس .. كان بيقبض في اليوم خمسة تعريفة ، يجيب بتعريفة أربع أرغفة ياكلهم حاف و يحوّش الباقي .. و قعد كدة لحد مع عمل قرشين ونزل على اسكندريّة .. أجّر عربيّة كرّو و كان يجيب سبتين خضار و يبيعهم عليها لحد ما حوّش و فتح دكان في راس التين ، كان يبيع فيه أحلى فواكه و فواكه مستوردة .. كانت البلد مليانة انجليز و كانوا يروحوا و ييجوا عليه و محدش كان يدوس له على طرف .. و برضه فضل يحوّش لحد ما فتح "مغازة" .. فكان يروح المغازة و يسيبني أنا أقف في الدكان، كان عندي وقتها 12 سنة"...

الحاج معروف.. والد الجدة .. أنا أتذكره جيداً، فقد عاصرته .. أتذكره كيف كان صاحب هيكل عملاق .. كانت والدتي المفضلة عنده من بين أخواتها و أنا و أخي كنا المفضلين عنده لما يحمله لأمي من حب .. كان يسكن هو و جدتي زينب –والدة اعتدال- في نفس العقار الذي سكنت به جدتي في حيّ سموحة .. فكان ذلك العقار أيضاَ ملكاَ للجد الأسطورة الحاج معروف .. عندما كنا نزورهما كان يبتسم لي بفم فارغ تقريباَ من الأسنان و كان لتلك الابتسامة سحراً لا استطيع وصفه بكلمات و لكن لازلت أتذكر أثرها على نفسي من "ودّ" .. و يقول لي: "أهلاً.. إزيّك يا هنّودِه" بكسر الدال بسبب لكنته الصعيدية ، ثم يحملني ليقبّلني و كنت أشعر –حرفيّاَ- أنني أسافر حتى أصل إلى وجهه و في طريق إلى هناك أجد عطره الذي تخالطه رائحة النعناع .. أتذكره طويلاً جداً بعمّة و جلباب صعيدي و شنب و وجه أسمر يبدو عليه سنوات "الشقا" بوضوح .. و أتذكر أيضاً أنه كان يقف ناظراً لي لدقيقة يتفحصني قبل أن يبدأ مراسم الترحيب الدافئة تلك و كأنه لا يصدق أنه يرى أمامه ابنة، ابنة، ابنته !

أتعجب أنه رغم امتلاك أسرته البيوت و الأراضي في الصعيد .. إلا أنه جاء على المدينة مقفر صفر اليدين .. و بدأ ربما من تحت الصفر .. ألهذا بسبب أن في ثقافة "الصعايدة" أنه من العار بيع "الطين" و "الدار" .. لا أدري .. و رغم أن سؤالي بديهي إلا أن يصرف نظري عنه نجاح "معروف"  في أن يكون مليونيراَ يمتلك في المدينة ضعف ما تملكه عائلته في القرية .. شخصية مبهرة لا شك ..   

أكملت جدتي بعد عدة دقائق كدت أنسى ما كنت اسأل عنه ... "كان الانجليز ييجوا يترازلوا عليّ .. ياخدوا الفاكهة و مش عايزين يدفعوا، كنت امسك لهم "شرشارة" الموز و أقولهم يا تدفعوا تمن الحاجة اللي اخدتوها يا تسيبوها.. كان جنينا واحد مزيّن اسمه "محمدالمزيّن"؛ ابويا كان يوصّيه عليّ .. لما كان يشوف الانجليز بيعملوا كدة ييجي يقولهم امشوا من هنا ..

كنت أبيع أكتر من أبويا و الفلوس اللي بعت بيها ألفها في منديل و أخبيها ع الرف جوّا و نحط في الدرج شويّة فكّة، ييجي أبويا بعد المغرب يقول لي: عملتي يا "احتدال" – هي تنطق اسمها هكذا احتدال، نقول له: أهم يابا اللي في الدرج ، ياخدهم يبوسهم و يقول الحمد لله... يسألني: هتاكلي ايه يا احتدال .. كان عندنا "عم يعقوب" بتاع البلانص بيشوي كل انواع السمك و كان عندنا "معزة" بيشوي لحمة و كفتة ، كان ابويا يقول لي: اختاري تاكلي ايه .. كنت يوم ناكل سمك و يوم ناكل مشوي .. و كنت نبعت نجيب الجيلاتي و جوزة الهند ام عسل و ناكل .. و بعد ما نتغدوا نخش نجيب الفلوس من ع الرف جوّا و احطها في حجر أبويا .. يقول لي: معقول بعتي بكل دة !! دي الفاكهة موجودة زي ما هي ماخستش! ..

 كنت لوحدي في الدكان ، نطلع ع الكرسي نقطع سباطة الموز بالشرشارة و ننزل نوزن ؛ ننقي التفاح و نوزن و لا اجدعها بياع ..و بالليل أخش أنام ع الرف جوا و ابويا يشيلني على كتفه و انا نايمة و نروح، أمي تقول له: حرام عليك انت هتخسر البت دي ايه اللي مقعدها في

الدكان للساعة دي .. كان يرد يقول: لا انا لا اقدر اسيبها و لا هي تقدر تسيبني"  

مع آخر كلمة في حكايتها مع دكانة راس التين كنا قد انتهينا من طعامنا و اعددت "كوبايتين شاي تقيل" بعد تلك الأكلة الدسمة .. و اتخذنا جوار النافذة موقعاَ للجلوس معاَ .. و قد تلوّنت السماء في الخارج بألوان الغروب الدافئة .. أتذكر هذا الوقت المقدس في منزل جدتي بشارع الصفا فكان المنزل فسيحاً و يعج "بنا" طوال الوقت .. فإن لها من الأولاد و البنات تسعة .. ست بنات و ثلاثة أولاد .. و لها من الأحفاد سبعة و عشرون .. كنا نتجمع أسبوعياً بمنزلها .. و في مثل هذا الوقت "نتجمع" في بلكونة غرفة المعيشة التي كانت تطل على فيللا أخرى في هذا الشارع تقع بين المدينة الجامعية و الباب الخلفي لسنترال سموحة  .. و الشجر المزدان بالورود الحمراء الصغيرة عنصر أساسي في المشهد .. و كذلك أكواب الشاي الذي كان يبرد لما يأخذه من وقت طويل ليُوزّع علينا بسبب كثرتنا .. و كنا نتسامر و نضحك حتى يحلّ الليل و يبدأ عبير شجر الفل المزروع في حدائق الفيلّات المحيطة في الانتشار ليملأ "الجوّ" حولنا..

انتبهت على صوت مفتاح جدّي محمود – زوج اعتدال- يدور في باب المنزل و قد عاد من "المحل" مما جعل جدتي تستيقظ أيضاً من غفوتها التي لم ألاحظها لانغماسي في حالة "النوستالجيا" التي انتابتني .. ليستقبلني بابتسامة مرحبة أعشقها لما تحمله من فرحة لمجرد أنه رآني قائلاً:"إزيّك يا هند" يقولها بنغمة اسمعها في عقلي الآن .. و أنا كالمعتاد أرد بصوت طفولي "جدو حبيبي وحشتني" ثم أذهب تجاهه مسرعة أحمل عنه أكياس الطلبات التي يأتي بها كل يوم .. أخذت عنه ما يحمل لأضعه في أي مكان ثم احتضنه بقوّة فيضحك مقهقهاً و يقول "منوّرة" بكسر الواو للكنته الصعيدية .. رائحة عطره لم تتغير و إن كان يغيره كل فترة و لكنني أشعر أنه لا يتغير.

.. هذا المشهد أراه منذ الصغر جدي يرجع إلى البيت ليلاً بزيّه الصعيدي يدخل ثم ينتظر أمام الباب من يحمل عنه .. عودتني أمي و خالاتي أنه عندما أرى جدي يحمل شيئاً لابد أن احمله عنه فوراً .. و كبرت و ظللت أفعل هذا تلقائياً و لكن المشهد يختلف بمرور الوقت في تفصيلة بسيطة ذات معنىً عميق .. لاحظت أن مع مرور الوقت يخف وزن الأكياس المحمولة لقلة المقيمين معهما و الوافدين إليهما .. في صغري كانت حِمْل تلك الأكياس ثقيلة لدرجة أنها كانت تحبس الدماء بأصابعه فألاحظ احمرارها بعد أن آخذها منه .. أما الآن فهي أخف ما يمكن و لكنه لازال ينتظر أمام الباب من يحمل عنه "إذا وجد أحداً" .. و على وجهه نفس الابتسامة

أسألها: تيتة هي إيه قصة جوازك إنتِ و جدو؟

ابتسمت وهي تنظر لجدي بلحاظها و بدأت تسرد لي القصة...

 

هذا النص من كتيب "وجوه في المدينة"، وهو نتاج حلقة أمكنة 2 والتي خُصصت لكتابة البورترية تحت إشراف الشاعر والروائي علاء خالد. بالتعاون مع مركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية.

التعليقات