محمد عيد يكتب: خزانة الأوهام

           

ثلاثة أرفف, ثلاثة أشهر, ثلاثة أرواح, جسد واحد, عاطفة واحدة, خزانة ملابس يبدو أنها أيضا واحدة.

الشهر الأول ... أشعر بالجنة تقترب مني, الحياة صارت أسعد بكثير, الإيمان يغزوني, أعشقه بشده, حياتي صارت بوجوده أفضل, أشعر أنني أقتربت من  ربي أكثر,  "أنتٍ ملاكي", "إنني أري فيك زوجي الوحيد, أعشقك", "الحمد لله الذي هدانا وجعل من نفسه سببا لنقترب أكثر".. كلمات رنانه, رسائل العشق لم تكن أكثر من ذلك, حقيقة, أكثر كلماته الرنانة كانت وحشتيني, وربما رسم لي وردة أكثر من مرة أو بعث لي بقلب رائع كقلبه.

الرف الأول... فساتين فضفاضة جميلة, ألوان هادئة تريح العين وتشعرني بالحياة, حقيقة لم أشعر بالراحة مثل تلك الفترة من حياتي, ملكة تحيا بين يديه.

الروح الأولي.. الأحلام تنضج, الأيام تسير, القلب يخفق, الواقع يقترب, السؤال الأهم هنا, ماذا بعد؟!, والإجابة.. "لا أعلم".

حقيقة, عدم علمه هذا لم يؤذني, فأنا أيضا لم أفكر عندما ارتديت تلك الملابس, أو حينما فكرت في التواجد معه, كل ما دار بعقلي عندها, أنه يحبني وأنا أعتقد أنني أحبه, لذا ما المانع من أن أصير كما يريد, لكن الغريب أنه بعد كل هذا أختفي !.

عام أو عامين مضو, لا أذكر أنني تغيرت إلا بعض التغيرات الطفيفة التي جائت بالتدريج, كي لا يلاحظها الكل, إلا إن التدخل في الشئون كعادة كل البشر حولي, جعلهم يتسائلون وأنا فقط أصمت أو ابتسم ببلاهة, بمعني أصح, أنت شخص سخيف.

الرف الثاني.. نفس الرف الأول, بعض التغيرات الطفيفة, رحلت عنه بعض الفساتين الفضفاضة لتسكنه بعض الجيبات و السراويل, أنا لم أخطيء, لكن الجميع حولي يرتدونها, حقيقة أشعر بالغيرة كأي فتاة, ربما أيضا شعوري بالخوف من القادم بدأ في الزيادة.

الشهر الثاني .. شخص أخر يغزو حياتي, رجل أخر, حب جديد, روح جديدة تظهر في الأفق , "أحبك" , "أعشقك" , "يوما ما ستكونين لي وحدي في بيتنا" , كلماته صارخة, أشعر بها تخترقني, يديه تكتب علي جسدي أفكارا, تلهب مشاعري, تثير الأنثي التي بداخلي لترتمي بحضنه ألف مرة بعد تلك المرة المتهورة, بل وتقبل يديه كما قبل يديّ يوم أن أهداني ذاك الخاتم الذهبي.

خاتمه, ارتبط بالقلب بمجرد ارتديته, نبضات من الكهرباء صحبت قبلته, يدي اهتزت, سحبتها, لا أدري من الصدمة أم كسوف فتاة.

حدث أهله عني, يومان بل ثلاثة مروا, القلق يتملكني, لا يرد علي الهاتف, في اليوم الرابع, رد قائلا  "والدتي متعبة, عفوا سأؤجل كل شيء".

أسبوع, خلفه أسبوع أخر, لا يرد, لا أعرفه عنه شيء, لم يختفٍ تلك المرة, بل قرر الرحيل, ولا أدري ما السبب.

الرف الثالث.. أعلاهم, أقربهم إلي قلبي, لم تعد ملابس الفتيات تناسبني, ولا ألوانهم, الأسود صار يليق بي أكثر, كثيرا ما أرددها فأسمع صوتا بداخلي يقول "لازلت شابة تمتلكين أحاسيس و مشاعر, سوف تصلي يوما. أصبري.

لم أركع ركعة واحدة منذ رحل عني الأول, ربما أعاقب ربي, وربما أيضا هو من عاقبني بذلك الحب, أو كانت احد علامات رحمته لأعود, لكني جحدت, لا أدري ما سبب تذكري له تلك الأيام, لكني حقيقة أشتقت إليه كما أشتقت لحبيبي الأول.

ثلاثة أعوام أو أكثر, لم أعد أشعر بالعمر يمر, كل أصدقائي تزوجوا, غادروا حياتي, حياتهم وأزواجهم -هذا حقهم-, و حقي أيضا ألا أجلس ساكنة أتابع القمر يهرول خلف أسلافه, لكن ماذا عليّ أن أفعل غير ذلك.

الشهر الثالث.. اصدقائي في العمل نصحوني بالراحة, لا أدري ما السبب, لكني رأيت في الأجازة راحة منهم ومن كل شيء, أجازة مفتوحة, هكذا كان قراري.

في صباح  اليوم التالي, أفتح باب منزلي لأجد صندوق يحمل بداخله شيء لي يتكرر الأمر يوميا, أشعر أنني  رأيت تلك الأشياء من قبل, لكني لم أهتم في البداية, مر أسبوعين تقريبا, بدأت أهتم, أتعجب من يبعث لي كل تلك الهدايا, بدأت أفتحها, أرتب كل قطعة ملابس مهداة لي في مكانها علي الأرفف الثلاثة, أضع الخطابات المرسلة في علبة الهدية الأولي.

اليوم الأخير من الشهر الثالث.. ثلاثون قطعة, عشرة لكل رف, حقيقة لو كنت أنا من أشتري تلك الهدايا ما كنت أخترتها بتلك الدقة في الألوان والأشكال وتفاصيل الطول والقصر, الضيق والاتساع.

الليلة الأخيرة في الشهر الثالث.. قرأت كل الخطابات التي أرسلت لي, كلماته فاتنة, اعتزاره جميل، رغم أنه لم يخطيء بحقي, ربما يعتذر عن عدم ظهورة حتي الآن, لا يهم, المهم, هناك من يحبني, هناك من يري بداخلي شيئا جميلا, ماذا أفعل, ماذا يمكنني أن أرد لو جائني أو ظهر يوما ما, ربما يكون أحدهم, ربما يريد أن يعود ويخشي ردة فعلي, تخيلات و أفكار سيطرت عليّ حتي رحت في النوم.

يوم جديد من شهر لم يُذكر في صفحات كتابي, استيقظت متجهه نحو الباب, لأري ما الهدية الجديدة, للأسف, لا جديد, حقيقة شعرت بالحزن, لكن صبرت نفسي, ربما لديه ظروف اليوم, دخلت إلي حجرتي لأقرأ الخطابات ثانية.

أخر أيام الشهر الذي لم يُذكر في صفحات كتابي, خزانتي مضطربة, يبدو أن أحدهم عبث بها، غضبت بشدة, حقيقة أشعر بالغضب فأنا كل يوم أهتم بها, من دخل المنزل أثناء نومي, بل إن ما أصابني بصدمتي الأكبر, أختفت الخطابات, اختفت لا أجدها, فقط علبة فارغة, خزانة مضطربة مقلوبة رأسا علي عقب, لم تعد كما اعتدت عليها, ماذا جري!

التعليقات