رامي عبد الحميد يكتب: تمت العملية بنجاح

بعينين مملؤتين بالإمتلاك وصوت سلطوي حاد قالت: أنا والدتك التي أنجبتك، أنا أصل وجودك فى هذه الحياة، ثم تغيرت نبرات صوتها الحادة كالسيف القاطع وتحولت رويداً رويداً إلى وتر مشدود، فأخذت تعزف عليه نغمات الشجن قائلة: من أجلك عانيت شهور الحمل وآلام الولادة، كان كل يوم يمضى علىَ فى حملك وكأنه دهر عقيم، كنت أنظر إلى بطنى المتكورة أمامى متلهفة ً ومشتاقة ًإلى مجيئك للحياة، أنتظر بشغف ٍ كعاشق ٍ قبل اللقاء . قاطعتها ياسمين بعينٍ ملأها التمرد وصوت ٍ تغلف بالعناد، قالت وهى تهز رأسها بقسوة رافضة حديث أمها: لا تكملى ذلك الحديث الزائف واستفيقى من تلك الكذبة الكبيرة. اتسعت عينى الأم وتوقفت عن الكلام كشاعر ٍ انفض عنه مستمعوه وتركوه وحيداً. فأكملت ياسمين فى قسوة ٍ بكلمات ٍ ثقيلة ٍ وسريعة، كملاكم ٍ صغير يئس من ظلم الحكام فى مباراة ٍ محسومة سلفا ً لخصمه المشهور : لا تقولى كذبا بأنك عانيتِ من أجلى شهور الحمل وسهر الليالى، بل عانيت ِ من أجلك أنت ِ، نعم من أجلك أنت ِ، إن لهذه الخديعة بداية وأنا سأقصها عليك ِ الآن، لقد تزوجت ِ حتى لا يقول الناس عنك بأنك ِ عانس ولم تستطيعى الصمود حتى يأتى اليك الشاب الفقير الذى أحببتيه ويتقدم لخطبتك ِ، فتركتيه وحيداً ومزقتى قلبه بسيف ِ الفراق الغادر بعدما اكتوى جسده بلهيب الفقر المذل، ارتديتى الفستان الأبيض لتحصلين على شهادة سوداء مختومة بختم المجتمع المزيف بأنك فتاة صالحة، استطاعت أن تحصل على العريس المناسب، وتمت المرحلة الأولى من العملية بنجاح. ثم لم يمض على زواجك سوى ثلاثة أشهر حتى صرت تلهثين الى الأطباء، تبحثين عن الإنجاب كرجل فقد راحلته فى الصحراء، لم تسمعى عن طبيب ٍ ولا دجال ٍ إلا وذهبتى اليه، وعندما تيقنت ِ من حملك ِ واطمئن قلبك فعلمت ِ أنك أرضاً خصبة صالحة للحرث والنثل، ظللتى تعدين الأيام والليالى تنتظريننى فى شغف ٍ واشتياق، ليس ذلك لأننى المخلصة التى ستخلص البشر من الذنوب والخطايا، أو لأننى المهدية التى ستملأ الأرض عدلاً ونورا، ولكن لأننى الورقة الوحيدة التى بقدومها ستثبت للمجتمع المزيف بأنك أرضاً خصبة ولست أرضاً بورا، وبأنه قد تمت المرحلة الثانية من العملية بنجاح. كان فك ياسمين السفلى مرتعشاً بينما دموعها تجرى على وجهها المحمر، تقف الدموع قليلاً على أطراف شفتيها لتذكرها بمرارة ما تقول، فتبتلع بإصرار ٍ ريقها الممرر بالدموع وتكمل كلامها فى تمرد كبير قائلة : نعم أؤكد لك أنك سهرت ِ الليالى معى وعكفتى على أن تدفعينى للنجاح الدراسى دائماً والحصول على أعلى الدرجات، ولكننى اكتشفت أنك لاتفعلين ذلك من أجلى أيضاً، فعندما حصلت على المركز الاول فى الثانوية العامة كان حلم حياتى حينها أن ادخل معهد الموسيقى بينما أجبرتينى أنت ِ على دخول كلية الطب، لكى أكون مثل شيماء ابنة أخيك ِ، حتى تثبتين لعائلتك بأنك تعرفين كيف تربين أبنائك وتعلميهم وتجعليهم يصلون الى اعلى الكليات، ومن ثم فشهادتى الجامعية لم تكن سوى شهادة سوداء بختم المجتمع المزيف بأنك سيدة صالحة بارعة فى تربية وتعليم الأبناء، وبذلك تكون قد تمت المرحلة الرابعة من العملية بنجاح. تنهدت ياسمين بعدما توقفت دموعها وجفت عيناها،ونظرت فى عينى أمها مباشرة، لتتمكن من رمى آخر ما تبقى فى جعبتها من سهام ٍ مسمومة فى قلب أمها الدامى قائلة ً : وأما الآن فأنت ِ تريدين منى بأن اوافق على الزواج من عريس الغفلة الذى طلبنى منك بالأمس وأن أكون سلعة ً يمتلكها بيمينه مقابل شبكة ٍ ومهر ٍ ونيش ٍ مقدس ! وأن أرتدى الفستان الأبيض، ليكون بذلك آخر شهادة سوداء من المجتمع المزيف بأنك قد أديت ِ رسالتك ِ فى الحياة، وبذلك تكون قد تمت العملية بنجاح ! وقفت ياسمين وثبتت قدميها فى الأرض كصخرة ٍ تتحدى تلاطم الأمواج فى عناد ٍ وإصرار ٍ قائلة ً بصوت ٍ متمرد ٍ : لا ، لن أكون حلقة متكررة فى مسلسلكم الهابط، الآن أعلن انعتاقى وتمردى ، لن أكون حبة فى مسبحة ٍ مقدسة يمتلكها مجتمع مزيف، أفنى حياتى كلها من أجل إرضائه ، أتنازل عن إرادتى وسعادتى له حتى أحصل منه على شهادة ٍ سوداء مكتوب عليها بخط مزيف " تمت العملية بنجاح "

التعليقات