محسن صالح يكتب: ضمن القائمة القصيرة

 

نهض من نومه في الصباح،  توجه إلي الشرفة كعادته. صخب الحارة لم يبدأ بعد فقط الأصوات المألوفة لـ" عم وهبة" وهويصرخ في ابنه شريف لتحضير العربة الكارولبدء يوم من الشقا كما يقولون. كلمة التعب أو الشقا تتردد علي ألسنة كل من يسكن هذه الحارة حتي أبي يرددها وهوقادم في منتصف المساء من ورشته لإصلاح وتصنيع الأحذية. يتمتم في سره بأدعية الصباح المعتادة التي علمه إياها "هشام " زميله في العمل ممنيا نفسه بأن هذا اليوم يوم خير وسعادة وسرور عليه وعلي أسرته. يجلس في الشرفة التي تتوسد الدور الخامس كأنها أسد رابض يطل علي المكان من أعلي نقطة فيه. يصل ضجيج الحارة إليه مخففا مقارنة بمن تتوسد شققهم الدور الأول أو البدروم كما يقول "عم مصيلحي" قاطن الدور الأول حينما يأتي في زيارتنا. ضجيج عمال السوبرماركت في العمارة الكائنة أمامنا لايوصف بأي حال من الأحوال وكأنهم يجنون رزقهم بالصراخ والنداءات العالية. فشلنا في حثهم علي تخفيض أصواتهم فأصابنا اليأس.

لازلت مصرا علي أن أعزل نفسي في مكاني العالي هناك في غرفة الشرفة والتي لا يدخلها سواي أنا وأبي في المساء حينما يحضر من ورشته ويحكي لي الحكايات التي يسمعها ممن حواليه من صبية وأصحاب المحلات. حكايات تتواشج وتتشابه. الجميل في الأمر هوأنني أركن إلي أبي في كل مساء وأفرغ له من وقتي وأنصت إليه وكلي آذان صاغية لاقطة لحكاياته. ركبت التكييف في كل حجرات الشقة وعملت علي معالجة كل شبابيكها حتي غدت جنة في عيني والدي وأختي الكبري وأخي الأصغر. لقد جهزتها  من الأموال التي جاءت من الروايات التي بعتها من قبل. فأنا أكتب منذ ثلاثة أعوام بالتمام وأنشر علي نحودوري في عدة مجلات وصحف بل ووصل الأمر في العام الأخير إلي أنني صرت ضيفا علي الفضائيات،  حيث أمزج التاريخ الذي أدرسه بالأدب والنقد في توليفة قل أن تجدها. وأخيرا أضفت المدارس النفسية ومدارس دراسة السلوك البشري في حواراتي.

أكتب عادة من الساعة الخامسة صباحا بعد صلاة الفجر وأمسك بالقلم وبعد فترة تردد حوالي عشرين دقيقة تنساب الأفكار من رأسي إلي الورق كأنها شلالات من المياه الزاحفة ثم المندفعة في تواصل لاينقطع أبدا. أعمالي القصصية أرصها أمامي لاصقا عليها ورقا أصفر. لقد تجاوزت رواياتي خمس روايات ومجموعاتي القصصية عدد سبع مجموعات الأمر الذي أكسبني خبرة في الكتابة. لايزال حلم حياتي كائنا أمامي هناك كأنه القمر الذي لايغيب الأ وهو الفوز بجائزة الرواية العربية الشهيرة " جائزة البوكر". لهذا الغرض سافرت إلي لبنان الشقيق وأقمت لمدة أسبوعين في عاصمتها بيروت ولقيت عدة أدباء ممن فازوا بالجائزة  أوكانواضمن قائمتها الطويلة أو القصيرة. كنت أقرأ الروايات عدة مرات وأحدد مناحي السرد والشخصيات المختلفة في شبكة عظيمة أمامي وأحرص في خاتمة قراءتي علي أن ألخص المنهج الذي يتبعه الكتاب في كل ماكتبوا. هذا وقد استطعت أن أعد سجلا بكل أساليب السرد الروائي أحتفظ بها في سجل خاص لي " سري للغاية". نلت خمسة جوائز أدبية محلية وفاز كتابان نقديان لي بجائزة عربية.

مضي عام بجملته لم أفعل فيه شيئا سوي التخطيط لهذه الرواية التي تعتمد علي الحبكة العنكبوتية والأحداث المتشابكة. العصر المملوكي كان هوعصر الرواية التي أكتبها وبالذات عصر نهاية المماليك وطومان باي وحياته حتي شنقه علي باب زويلة. الرواية تستخدم تيمات في السرد جديدة،  تيمات سينمائية ولقطات وأصوات عديدة لدرجة أنك تحس وكأنك في عالم متدفق كأنه فسيفساء جميلة تروقك رغم إزدحامها. لقد دوخت روايتي هذه في المسودة الثالثة لها معظم من قرأوها وصرخوا في الفصلين الأخيرين إعجابا بالخيوط التي وجدوها تتلاقي في أيديهم بعد أن كانوا يرونها عادية خلال أحداث الرواية وغوصهم في زخارفها السردية. تمت كتابة الرواية بدمي وعرقي ومجهوداتي التي أهلكتني وأخذت مني الكثير ودفعت بها إلي النشر في محاولة أخيرة مني لإنهاء هذه الحيرة. اخترت لوحات الرواية الداخلية واخترت لون الورق الأصفر الجميل واخترت همسات الألوان بها.

مرت الأشهر ونسيت كل شيء حتي جاءتني مكالمة بأن روايتي دخلت القائمة الطويلة لجائزة  البوكر العربية. لم أنم طوال هذه الليلة من الفرحة وصرخت في أسرتي فرحا بما حدث ولم ينم والداي طوال المساء ووزعت أختي الحاجة الساقعة علي سكان البيت الذي نسكنه.

مرت الأسابيع العديدة،  حتي جاءت المكالمة الهاتفية لي تخبري بأن روايتي تخطت المرحلة الثانية وصارت ضمن القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية. اغلقت لهذا الخبر كل تليفوناتي وصليت ركعتين لله سبحانه وتعالي ونمت فرحا  ولسان حالي يقول : لكل مجتهد نصيب،  لكل مجتهد نصيب.

 

التعليقات