محمد سميح يكتب : حكايات الجن والحنين لعالم بلا قيود

الحنين إلى عدن: 
 
إن أول ما أصاب آدم بعد أن أكل من التفاحة المحرمة هو وحواء "بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة"، بحسب الوصف القرآني كان آدم وزوجه عاريين لا يدركان عريهما. 
 
تقول بعض التحليلات السيكولوجية أن جنة "عدن"  تعبر عن رمزية حياة الإنسان البلهاء، ما قبل القيم والوعي بقيود الاجتماع (أي حالة الغريزة البحتة) ، وإن الخروج من عدن هو الانتقال لحياة الاجتماع بقيودها وقيمها المكتسبة والمفروضة، إنه شيء يسكن الخيال البشرى: أنه كان هناك إنسان ينعم بلا شقاء أو قيود. 
 
"اللي يخاف من العفريت يطلعله"
- مثل شعبي
 
في الصف الثاني الإعدادى بدأ مدرس اللغة العربية ومدرس مادة العلوم أيضا في تحذيرنا من العبث مع الجن بسكب مياه ساخنة في أرض الحمام، وفي إحدى وصلات التحذير قاطع أحدُ الطلاب المدرسَ قائلا "يعنى لو استحميت يركبني جن" هنا عدل المدرس كلامه وأجاب: إن الماء المفاجئ ما يزعجه، وإن ماء الاستحمام فيه تمهيد مقبول وطبيعي لا يزعج الجن.
 
كانت أمي تخبرني ألا أطيل النظر في المرايا لأن خلفها يعيش الجن، وكان جاري يحذر أبنائه من طول المدة في الحمام ، وإنه يجب أن يصدروا الصوت "إحم إحم" كنوع من الأدب والاستئذان الذى يثبط همة الجان ولا يثير حفيظته المؤذية.
 
وفي إحدى المرات أيام الثانوية ؛ جلست مع مجموعة أصدقاء نحكي قصص مرعبة سمعناها من آخرين، وفجأة وجدنا ضوء مصابيح مبنى الحي تلعب ليلا بحيث يطفأ مصباح ويضيء آخر بشكل لعبة الكراسي الموسيقية ؛ أتذكر وقتها قد جرى وهرب الجميع إلا أنا وصديق واحد.
 
قرأت مرة للسيد كولن ولسن أن العقل يعمل بآلية محددة، كمراقبة جندي أعلى طابة في منشأة عسكرية، فالجندى المتوتر وفي يده سلاح ومطلوب منه حماية المنشأة سوف يطلق النار على أي جسم أو صوت كان كلب أو كيس يطير في الهواء، على عكس الجندى الهادئ سوف يتأكد أن ذلك الجسم إنسان، وإن تأكد سوف يحذره وسيتبع عدة إجراءات قبل أن يطلق النار على الأقل للتهديد في الهواء.. وهذا ما حدث مع أصدقائي: سيطر الخوف عليهم فقاموا بالجري من صدفة أو ربما لا شيء.
 
"لقد ظهر لنا رجل ليلا وتحدث معنا، وحين هممنا بالاقتراب منه كشف لنا عن ساقه فإذا هي ساق ماعز، واختفى" – أسطورة شعبية 
 
كانت لتلك القصة صدى أصيل، لقد سمعتها أكثر من مرة من أشخاص يؤكدون وجود ذلك الرجل بساق الماعز، لم يكن أحدهم قد رآه من قبل، ولكنهم كانوا ينسبون الرواية لعم أو خال ثقة ويؤكدون أنه رأى ذلك بأم عينه.
 
وحين حاولت مناقشة أحد الأصدقاء في تلك القصة ، كان من الصعب أن نطرحها للنقاش الموضوعي ، لأنه كان يعتبر عدم قبول الرواية تشكيك في مصداقية عمه وإنه أمر شخصي. 
 
قام أحد الإعلاميين بإثارة موضوع الزواج من جنيّة، ويومها تناقشت على المقهى مع صديق يأكد لي صحة الموضوع ، وإن عم إبراهيم الذى يسكن خلف المقهى مباشرة كان دائم الاستحلام وممارسة الاستمناء بيده أثناء النوم؛ فذهب به أهل بيته إلى أحد الشيوخ ، وحين سألوه أجاب أن كل هذا يفعله رغما عنه.. لقد كان متزوج من جنية والحمد لله بعد تدخل الشيخ بطل هذا الزواج وتوقفت الجنية عن زيارة عم إبراهيم.
 
"وتجد سيدة عجوزا قبل الزار لا تستطيع السير، لكن أثناء الحفل تجدها مستغرقة في الرقص والأداء الحركي"
-  خالد أبو الليل (أستاذ الأدب الشعبي في جامعة القاهرة)
 
حين نراقب أفعال وحركات من يركبه جن (رجل أو امرأة "ممسوسون") أو من يخوض علاقة جنسية مع جنية؛ نجد أعراض جسدية هستيرية تشبه الرقص داخل ديكسو مثلا، وكانت تلك نفسها فلسفة الزار: حركات جسدية قوية تصل في مفعولها حد الإغماء, وتكون هي علاج المس وكأن الموضوع متعلق بتفريغ كبت حبيس للجسد، وكان البعض يرى أن حلقات الزار هي المقابل النسوي لحلقات الذكر الصوفي.
 
لقد كان أهل اليونان يعالجون أمراض الصرع والاكتئاب بالطقوس الديونيسيوسية: التي هي رقص وعري وشراب الخمر. لقد كان إيريك فروم يرى في تلك الطقوس هروبا تاما من ضغط الحياة، من التكرارية والإرهاق والتعب والقيود، لحظات يخلع فيها الإنسان كل شيء. فلم لا يكون الجن مخاوفنا المكبوتة من غرائزنا الجامحة التي نضطر دائما لترويضها؟ وإن هذا الجن (الكبت) الذى يمس النفس لا ينفلت إلا بطقوس ديونيسوسية معبرة عن مرحلة ما قبل الإنسانية التي نعرفها .. مرحلة  عارية كما كان آدم وزوجه لا يتحرجان من أعضائهما الجنسية؟ وإن هذا الجموح الدينوسيوسى قد قل وتهذبت أشكاله فيما يعرف بالزار وحلقات الذكر. وقد ذكر كولن ولسن أن من يذهبون لنواد الرقص لا يصابون بحالات الصرع أو مس الأرواح الشريرة لأنهم ينفسون عن الكبت الجسدى باستمرار يؤمّن أنفسهم. 
 
وقد رأى بعض الأطباء أن المالنخوليا]1[ قد يقع عن الجن. ونحن لانبالي من حيث نتعلم الطب، إن كان ذلك يقع عن الجن، أو لايقع.
 - ابن سينا
 
لقد كنت أعمل في مكتبة  بصحبة بعض طلبة كلية الصيدلة، وفي أحد الأيام علمت منهم أن زميلا لهم لا يخرج للكلية ولا يعمل ولا يفارق البيت، وعجز الأطباء عن مساعدته على الشفاء، وأنه ممسوس من جن مسيحي لأنه كلما قرأ أو سمع قرآن تنتابه نوبات شديدة من الصرع ولا يهدأ إلا إذا احضروا له أنجيلا، وكان السبب في كل ذلك أن زوجة والده (الذى يعمل بالكويت) لا تحب الولد فعملت له عملا.
 
في النهاية جمع أطباء الغدِ الأموالَ وذهبوا إلى شيخ, ولكن الشيخ اكتشف أن ذلك الجن كويتي ويحتاج لشيخ يتحدث بلسانه, وبالفعل وجدوا شيخا من الكويت وتواصلوا معه سكايب, وقام الشيخ بإطلاق أذكاره وتهيأ الجن للخروج من جسد زميلهم، لكن الجن استطاع فصل الإنترنت في الثانية الأخيرة. 
 
لقد كان بين أطباء صيدلة هؤلاء وبين ابن سينا الطبيب ألف سنة، وكأن كل هذا التراكم المعرفي الذى تولد بفعل الإنترنت قطعه الجن فعلا عن عقولهم.
 
إن الجن استعداد فطري في نفسية الإنسان بحكم عوامل الثقافة والتنشئة، فلا نجد مسًّا في ثقافة لا تعتقد بالمس، ولا يظهر جن لإنسان لا يؤمن بالجن، ولكن الأكيد وفي ظل ثقافة تعتبر وجود الجن أمر مسلم به يختلف التعامل مع وجوده: فالبعض مهووس بالجن بخوف عميق يسكن روحه من الداخل، والبعض لا يلتفت له ولا يعتقد بتأثيره، وقد يكون المهووسين أغلبية كأبناء حقيقين لثقافة تأسس للخوف كطابع أمان؛ مما يولد كبت روحي وجسدي وعقلي ينفجر دائما في صورة من صور المس كصوت رفض واحتجاج غريزي على كل هذا التل من قيود الاجتماع.
 
هامش : ]1[ : علامة ابتداء المالنخوليا ظن رديء، وخوف بلا سبب، وسرعة غضب، وحب التخلي، واختلاج، ودوار ودوي وخصوصا في المراق. فإذا استحكم، فالتفزغ وسوء الظن، والغم، والوحشة، والكرب، وهذيان كلام، وشبق لكثرة الريح، وأصناف من الخوف مما لايكون أو يكون . (ابن سينا: القانون في الطب) 
التعليقات