فهمي بلطي يكتب: رجل ٱلي يبكي بمنتهى الجدارة

في الأثناء , هناك من يختفي , يأكل نفسه مثلا , يأكل نفسه يعني أنّ جسمه هو الذّي يأكله إذ من الواجب ربّما التّنبيه إلى أنّ الفاعل ليس هو نفسه المفعول به, بالإمكان القول إنّ جسمه يأكل روحه أو إنّ جسمه يأكل جسده .. يبدأ الجميع رويدا رويدا في تناسي الأمر , ليسوا هم من يفعلون ذلك , و لكن أن تموت أنت فذلك يعني أنّك انقطعت عن إنتاج الذّكريات .. أنتَ العالم , كلّ شيء يقول لك ذلك , أغمض عينيك فقط و سترى أنّ العالم يختفي , و مع ذلك حين تختفي أنت يظلّ العالم موجودا , دون أن تتمكّن أنت , أبدا , من إدراك ذلك , أمر مضحك , أليس كذلك ؟؟ فالعالم الذّي يختفي حين تموت أنت , ليس هو العالم الذّي يبقى ويبصره غيرك ممّن يزال على قيد الحياة , تختفي العوالم الواحد تلو الآخر بسريّة كاملة إذ لا أحد من هذه العوالم يشبِهُ العالم الآخر أو يستطيع أن يكون مكانه و لذلك يظلّ الأمر دائما بالغ السريّة و الغموض و تظلّ هناك دائما ذات أخرى مقفلة جيّدا على نفسها تعتبر نفسها مجدّدا هي العالم ...فكرة سخيفة, سخيفة جدّا اعتبار الإنسان مركز العالم أو العالم ذاته باعتباره الشّاهد الوحيد على وجوده أو الرّائيَ الوحيد له أو الامتداد الأنطولوجيّ الوحيد الذّي من خلاله يتّخذ هذا العالم كنها و شكلا و هويّة متفرّدة, لأنّ هذا العالم نفسه مثلما ابتدأ قبل الإنسان فإنّه حتما سينتهي من دونه ... و لكن لماذا يتكاثر البشر رغم ذلك بهذه الطّريقة المفجعة و اللاّ نهائيّة ؟؟ هل هو السّباق الأزليّ مع الزّمن ؟؟ سباق خاسر لا محالة .. أم أنّ ذلك بسبب الحبّ ؟؟ أوووه , الحبّ .. يالهذه الكلمة الفاجرة التّي ينطق بها رجل آليّ مثلي يستعدّ للدّخول في نوبة بكاء , الرّجال الآليّة أيضا تبكي , نعم , أو لعلّها هي الوحيدة التّي تبكي بكاء حقيقيّا و هي تكتشف للتوّ أنّها رجال آليّة ..
أمامك الآن جثّة , جثّة العالم .. ماذا تفعل بها ؟؟ من الأفضل أن تحرقها و تنثر رمادها في البحار أو الحقول , هكذا سيصعب على الدّود افتراسها , أنت تصرّ على القول بأنّك سيّد الكون مع أنّك تنتهي فريسة للدّود تحت التّراب .. لماذا لا يكون الدّود هو السيّد ... هل بسبب الغيرة من الدّود ؟؟ و لكنّك حين تتحوّل إلى كاربون لن يتمكّن الدّود من افتراسك .. سيّدة جميلة و مشهورة أوصت بحرقها بعد دفنها ثمّ رميها في المرحاض و سكب الماء عليها , كانت تريد أن تختلط بالخراء , أظنّ أنّها أرادت أن تخرأ جثّتها بالنيابة و تمارس بالنّيابة هذا الفعل السّادومازوخي البدائي و الممتع بالتقهقر رويدا رويدا نحن المرحلة الشرجيّة
لماذا لا يتوقّف البشر عن التّكاثر , مع أنّ هذا التوقّف قد يجعلهم يربحون السّباق مع الزّمن مرّة واحدة و إلى الأبد بأن يجعلوا الزّمن يركض لوحده ..
تصوّروا الكارثة التّي يمكن أن تحلّ بالزّمن لو أنّه يظلّ يسابق نفسه ليس إلّا ... لا شكّ أنّه سينتهي إلى الجنون و الانهيار ...
الرّعب , ذلك ما يحصل منذ البداية , و لكنّك تتجاهله بالانغماس اليوميّ في الدّوران أو لنقل بسبب الانغماس اليوميّ في بيع نفسك , رغم أنّه الحقيقة الوحيدة تقريبا .. و أنت, كي تتخلّص من الرّعب, عليك أن تلجأ إلى الحبّ , فالحبّ هو الذّي يمنحك الشّعور بالأمان .. حقّا ؟؟ مرعوب يلجأ إلى مرعوب آخر بحثا عن الأمان تحت مسمّى الحبّ ... مع أنّ الذّي يحدث ليس شيئا آخر سوى تضاعف هذا الرّعب .. تخيّل معي هذا الأمر , أنت تشعر بالبرد , غيرك يشعر بالبرد , يكفي أن تتعانقا كي تشعرا بالدّفء , أليس كذلك ؟؟ البرد لا يتضاعف في هذه الحالة , الذّي يحصل هو العكس , فالحكاية كلّها مجرّد معادلة فزيائيّة بين رجال و نساء آليّين ... البرد غير الرّعب , فإذا كان البرد يخضع لمعادلة فيزيائيّة بإمكانها تحويله إلى نقيضه فإنّ الرّعب حدث ميتافيزقيّ غير قابل للتّحويل .. مفهوم ؟؟
أحدهم قال , على لسان أندري تاركوفسكي , إنّ الإنسان , تحوّل إلى رجل آليّ - أو هكذا خُيّل لي - بسبب أنّه لم يعد يعتقد في وجود الغيلان و الملائكة و السّاحرات ,..لماذا يبدو هذا الاسم : أندري تاركوفسكي , على هذا القدر البالغ من الطّنين مثل النّقر على الضّلوع الآليّة لرجل آليّ ؟؟ و لماذا على هذه الكائنات المضحكة التّي هي الغيلان و الملائكة و السّاحرات أن تكون هي نفسها الميتافيزيقا ؟؟ لماذا لا يريد هذا الاندري تاركوفسكي أن يعترف أنّ ميتافيزيقا الإنسان الوحيدة ليست سوى الرّعب و يشرع للتوّ في البكاء الحقيقي مثل رجل آليّ كامل الشّرف و الكرامة , عوض أن يتباكى كإنسان مهزوم يريد أن يعاود الاعتقاد قسرا في كائنات ليست سخيفة فحسب بل غير موجودة من أساسه هي الغيلان و الملائكة و السّاحرات ؟؟
ليس هناك شيء بالمجان .. هذه هي الحقيقة , و لكن هل على الأشياء أن تكون بالمجان ؟؟ طيّب دعك من ذلك و ركّز معي , هل أنت رجل أم أنت امرأة ؟؟ كن رجلا مثلا , احمل يدك نحو خدّيك و أمسك بها وجهك , هل رأيت ؟؟ إنّ يدك جسدُُ آخر و كأنّها ليست أنت و إلّا كيف لها أن تتحرّك في اتّجاهك إن كانت هي نفسها أنت .. أليس كذلك ؟؟ إن كنت مستلقيا أو جالسا حاول أن تتحرّك , ركبتاك تتحرّكان و تحملانك من مكان إلى آخر و كأنّهما ليسا أنت هما أيضا, إنّهما آخران. حاول أن تنقطع دقيقة واحدة عن التنفّس و أخبرني ماذا يجري .. أنت تشعر بالإختناق ؟؟ أليس كذلك ؟؟ رئتاك نفساهما تتصرّفان أيضا و كأنّهما آخران داخلك يمكّنانك من استنشاق الأوكسيجين كي يتمكّن من الوصول إلى خلاياك و يصبح هو نفسه خلاياك , الآن أمسك أيرك و تمحّص جيّدا فيه , إن لم يكن منتصبا فتخيّل أنّه كذلك .. لماذا ينتصب أيرك إن لم تكن هويّته بطمّها و طميمها هويّة قائمة على الغيريّة , غيريّة تحملك غصبا عن أنفك نحو الولوج في فرج امرأة .. أنت سواك يا عزيزي.
منذ البداية قلت لك إنّه بالإمكان أصلا أن تأكل نفسك ..
لماذا لا ينقطع البشر عن التّكاثر؟ لماذا لا يضعون حدّا نهائيّا و قطعيّا لهذه المهزلة و يبدؤوا للتوّ في التأمّل بجدارة الشّجعان ؟؟ لماذا لا يفعلون ذلك ؟؟ كي يواصلوا دفع ثمن كلّ شيء ؟؟ من أين سيأتون بكلّ هذه الأثمان ؟؟
في الحقيقة, هم يبيعون أنفسهم في النّهاية ... كلّ شيء يبيعونه , الكارثة أنّهم لا يملكون أنفسهم حتّى , كي يكون لهم أحقيّة بيعها , و لكن هو هكذا , إنّها عمليّة غشّ مضاعفة , غشّ في غشّ و خيانة في خيانة , يعني لا يكفي للواحد منّا أن يكون سواه , بطمّه و طميمه ,و لكنّه يبيع أيضا هذه ال "سوى " ...
أمّا أندري تاركوفسكي فيتباكى من أجل غيلان و ملائكة و ساحرات ...
- مرحبا
- أهلا , كيف الحال
- مثل الزّفت
- لماذا ؟؟ ماذا حصل ؟؟
- لا أعرف , و لكنّ لي رغبة قويّة في أن يموت كلّ الّذين أحبّهم
- إلى هذه الدّرجة ؟؟ و لكن لماذا ؟؟
- لأنّني أريد أن يتوقّف فورا خضوعهم لكلّ هذا التّعذيب
....
- مرحبا
- مرحبا يا رفيق
- أنا وحيد بطريقة بشعة , و حين أصبح مع الآخرين تصل بشاعة وحدتي إلى منتهاها
- لماذا ؟؟
- لأنّ عمليّة البيع تبدأ في العمل بطريقة جنونيّة و فظيعة و سريعة مثل بكتيريا تتحوّل إلى آلاف مثيلاتها في الثّانية الواحدة
- هل أنت سكران ؟؟
- لا , أنا فقط أتقيّأ
....

التعليقات