فردوس ماني تكتب : بين يدي مورفيوس

في تلك الغرفة كانت الساعات تتكاثر و تملأ الزمن في كأس ليله، ما إن تتبدد ساعة إلا و تولد ساعات أخرى. نظر إلى الساعة فابتسمت له في إستهزاء ثم أومأت له بضحكة لئيمة متلذذة أنها سبب من أسباب سهاده و كأن القانون الخفي للغرفة يحكم بالأرق لكل من ولجها. نظر إلى السقف، بدت له النجوم تخترقه و تلون جنبات الغرفة فتجعل كل ما حوله صمتا يشقه أحيانا ضجيج الأثاث التائه في إمتداداتها.

 

ما أضيق هذه الغرفة في منفى فراشه، و ما أوسعها في عباب بحر كأسه، فلتذهب الأبالسة بكل هذا! سينفلت من جسده قبل أن تطبق عليه سماء الغرفة، فقد لفه الغطاء بحنان غير معهود. لا خيار له إلا أن يذوب في أرض جذوره، سيفيق في ندى أوراقه مع تهاليل الصباح فالربيع صار أكثر دنوا.لكن  الجدران كانت تإن تحت ثقل السقف و كانت أيادي الظلام تتلاعب على جسده و تعري أفكاره، تتراقص أمامه أطياف رواية حياته فتمتلئ مخيلته بشعاع حلم، لا يقصى و لا يرد، لعلها لعنة الشياطين في الجنة، أو كذا هي بدت له. همست له كيف حال ليلك؟.

 

فأجاب في سريرته:إنه صامت، بلا شهب، يعذب النوم كما تعذب الآلهة الإله: حسنا لا بأس أن ينكمش في غمامة حزنه، أن يتخلى عن ذاته و ينام قليلا، بل أن يتلاشى في سراديب العتمة و كل هاجسه ألا يستيقظ.

 

 تلظى في جمر سريره،إمتدت يداه تحضنان صدره، و كأنما لتحضن كل الأحاسيس التي غارت في ثنايا روحه و لم تجد سبيلا للخروج، مطمئنا إياها بزوال هذه المحنة. كانت هذه الطريقة المثلى لتعدي كمائن الليل و تحمل عنايته المركزة .بينما كان يتنفس رائحة عوالمه الغريبة، البعيدة و الجميلة و يحجزها في علبة رأسه تحسبا لزبانية الظلام أو شيئا من هذا القبيل، كانت وسوسة ذكرى الهمسات تترامى عليه، تغزو ربيع قلبه و تقهر لمزات الشياطين التي تلبست به. أصاب بالدوار، و كأن الليل يسكب بواقي كأسه ملئ جفنيه، لم يعد يعي أم هو نائم الليلة أم البارحة؟ سيان عنده! فهو سيطل من برج الليل إلى هوة الصباح في كلتا الحالتين.

 

كيف له أن يستأصل الجذور الكابوسية التي تحوم حوله كترانيم جنائزية! تبين له بين إغفائتين أن حنايا غطائه إرتخت، فزاحمه غطاؤه الفراش و ٱلتحم معه في حميمية مؤلمة، فأغمضت أنامل الليل أجفانه و آستسلم إلى النوم في قاع سريره في عاصفة موت صغير.

 

فتح عينيه رغم ثقل رموشه، أنكر في البداية الأمر، لكن نور الصباح همس له بدفء لا يتماشى مع نوره الحاد. يا إلاهي! صباح آخر! إنه الصباح مجددا! كيف له أن يتجاوزه و قد نفذت خزينة شمسه؟ لعله صباح عابرفجسده البارد لايمكنه تحمل إتحاد الليل و النهار معا، ألم يدرك سيد الليل هذا؟ أم أنه يتجاهله كالعادة و يتلذذ بتعذيبه راميا كل صلواته عرض السماء؟ الظاهر أنه لا يتكلم لغته، فهو بالتأكيد سيد قادم من العالم السفلي، فسيد قادم من السماء لا يمكن أن يكون بهذه الغطرسة. نظر إلى الشبشب الملقى على أرضية الغرفة و خيل إليه أنه يسبقه إلى الخارج، هل إستبق الشبشب الأحداث و تلمس خطرا ما يتربص به إن لم يغادر سريره؟ لكن جسمه أصبح أثقل من أن يسعه الشبشب. في آخر معركة ، إستجمع رقاق نفسه ولملم حافات جسمه حين طرأ على مسمعيه حفيف ثوب الطفل القادم من الغرفة المجاورة، فلبس إبتسامة الصباح دون آبه بضباب الليل الذي تخفى في لحافه و الذي سينبش فراشه في غيابه..إنه يفعل ذلك دائما.

التعليقات