محمد عيد يكتب: الغريب

 

توقفت عربة الإسعاف، أشعر به يمسك يدي, كلما مرت اللحظات رأيت لهفته تلك تجبرني علي الهرب أكثر,  رجلان بزي رسمي يحملاني,  وهو خلفي يهرول, وصلت بفستانها الأبيض, نظرة عينه, هي, أنا, جعلت الأضواء تتعارك, العالم كله يتزاحم أمامي, الضجيج يتصاعد, الكل لم يعد واضحا أمامي, الأطباء, الممرضات, الكل سراب إلا هو.

لماذا أنت دائم التأخر, لماذا تلك الملامح التي لطالما أحببتها تظهر الآن, لماذا عندما نفقد كل شيء جميل نراه جميلا, لهفتك تلك لا تليق بي الآن, أنا لم أعد أحبك! ربما, أو ربما مات ما تبقي من الأنثي بداخلي, أنت, مجرد شبح يهرول بروحه المبهرة لتمسك بتلابيب وعيي لأبقي معك, لكن هيهات يا حبيبي ......

 

هو رجل, ليس بصديق جامعي, بل بدأ حبنا في إحدي المستشفيات أثناء نوبات العمل التي جمعتنا صدفة, أنا أنثي, امتلكت حريتي منذ صغري, كل لديه مكانه في حياتي, كثيرا ما يحكم القلب علي الناس ويصح الحكم, هكذا عشت طيلة حياتي علي الحياد مع الجميع, لكن الكل يراني اجتماعية متحمسة تملك شخصية متحررة, حقيقة, أنا لم أكن أريد أن أظهر بشكل معين, لكني أردت فقط أن أعيش حياتي براحة وصفاء والناس لا تترك أحدا في حالة , لذا الاقتحام خير من الهروب في مجتمع شرقي مثل هذا.

أوحي لي بحبه أخر ليال شهر يناير, الأمطار كانت غزيرة, قبلت منه أول هداياه يومها, معطفه, الجو بارد, احتواني, شعرت بالدفء, رائحته كانت تخترقني, التصقت بأنفي تلك الرائحة إلي أن جاء إلي والدي ليطلب زواجي.

عندها فقط انتقلت تلك الرائحة من أنفي إلي جسدي بل صرت اشمها في كل ملابسي, حتي التي لم تلمس جسدي بعد.

تزوجنا, صار رجلا أفضل, عكس كل الرجال بعد الزواج, يناقشني في كل أمور حياتي, يتركني أختار كل شيء , يعود كل يوم ليحكي لي كل ما حدث له, رغم كونه طبيب جراحات تجميلية إلا إنه كان يحكي لي عن تلك النساء اللواتي يأتين إليه لنتضاحك معا, لم أشك يوما به, بل إن الغيرة التي كانت بداخلي كلما حاولت أن تخرج, طغي الجو الحميمي بيننا عليها فعادت هادئة, كأن الثقة بيننا وصلت أقصاها.

 

لم أكن أتوقع يوما أن هذا قد يحدث, لكنني أعلم عنه أنه صاحب قلب كبير, ربما يواسيها, أو ربما قد أصابتها مصيبة سيساعدها ثم يبتعد عنها, لكن ما فائدة لمس يديها, ربما يشد من عزيمتها, لكن هل عيونهم المحتضنة تلك في هذا الكازينو الخاص بالعشاق تخفف من ألمها أيضا!

روعته لا توصف, عودته للمنزل كانت تضيء الكون كله بهجة, بعد تناول العشاء معا أمسك يدي, نظر إلي عيني  نفس النظرة التي رأيتها من قبل, ارتجفت كل أركاني, لم يتحرك لساني بكلمة, بل نظرت إلي أسفل, احتضني, همس في أذني, سأسافر أسبوعين لمؤتمر طبي, سكت إلي أن سرنا معا إلي النوم.

مرت الأيام التالية بهدوء إلي أن بدأ الفصل الآخر من تلك المسرحية السخيفة , مكالمات عديدة بأصوات نسائية , تخبرني أنه تزوج عدة مرات, وتحذيرات فارغة, وغيره من الكلمات الهادمة لكني أعلم أنه ناجح, وأعدائه كثر, غير أن رجل يحبني كل هذا الحب لا يمكن أن يخون أبدا, لم أخبره, أسبوع كامل من الحديث المؤذي, الغريب أنه يتوقف بمجرد وصوله المنزل, إلا أن الكيل فاض, سأعترف له, لكن يبدو أن القدر له حديث آخر, مؤتمر طبي لمدة أسبوعين, سفر جديد, فما كان مني وأنا بين أحضانه إلا أن أدعو له وأتمني عودته سالما.

دعوة فرح  مرفق معها خطاب اقتحما حياتي.

 

"العيب ليس فيك, ولا أي منا, حاولي أن تحضري فرحه الجديد, هو أحبني بصدق, ورغم أنني الوحيدة التي فهمته, إلا إنني لم أفهم بعد سبب حبه الشديد لك, ولماذا يتمسك بك هكذا, فقط, لا تستمعي إلي, اذهبي وشاهدي بعينك".

 

في الوقت المحدد كنت هناك, اخترت تلك المنضده الجانبية بعيدا عن الصخب. ظلت تلك المنضدة فارغة إلي أن اقتحمها أحد الرجال مع زوجته, طلبا أن يجلسا معي, هززت رأسي بالموافقة, لم أكن عندها عيني معهم أو حتي قلبي, لقد وصلا, متشابكان, يضحكان, بعيون لامعة, لا أعلم لماذا رأيت نفسي, فرحتي, حتي نفس نظراته لي, تتكرر, كأنني أشاهد تسجيل حفل زفافنا.

صمت تام, كل الضجة التي حولي, كل الناس اختفوا, أنا وهما فقط, الزمن توقف، دار بداخلي كل أنواع التساؤلات, كأنني أول مرة أري الحقيقة بعد كل تلك السنين, اسأل نفسي متي تزوج كل هؤلاء وهو معي كل ليلة , أشعر فقط الآن بأن كل الدم بداخلي صعد ليسكن بقعة واحدة في مخي, ليته يصمت.

 

لم يلحظني, كما لم يلحظني غيره, كل شيء في ثبات حتي وصل المأذون, وصل, جلس, بلهفة لم أرها فيه في زواجنا, سحبه من يده, هدوء تام في القاعة, قولي ورايا, زوجتك نفسي ... .

لم أكن أنا, تلك التي رددت خلف المأذون بصوت خافت أخذ في التصاعد, لم أكن أنا التي صرخت عندما قال و أنا قبلت, لم أكن أنا أيضا التي نقلوها إلي المستشفي, إلا أنه هو بلهفته وخوفه الذي ملأ عينه اللامعة, يبدو أنه عرف من لم أعرفها عني, وأنا عرفته أيضا حتي في هيئته الجديدة تلك, إلا أنني سعيدة لأن آخر ما رأيته هو لهفة شبحه الغريب. 

loading...
التعليقات