أمنية نجيب تكتب: موت المنبّه

 

امتلأ البيت بكراسٍ متراصة في صفوف متوازية، قمنا أنا وأخوتي بمساعدة أمي في تنظيف المنزل في صمت يبدو حزين. رتبنا سريره جيداً، أعطتني أمي جلباب نومه في الليلة الماضية، والذي قام بخلعه هذا الصباح ليذهب إلى العمل كعادته.

طلبت مني أمي أن أتفقد رائحته لأري إن سكنها العرق، قبل وضعه في خزانة ملابسه. وحين خرجت من الغرفة، ألصقته بأنفي فوجدت رائحة المسك والعرق تتعاركان عند إبط الجلباب. أبعدته عني في انزعاج، وألقيت به داخل الخزانة.

ها هو يُرفع آذان المغرب، ليخبرنا بضرورة التعجيل لاستقبال المُعزيين. اتشح المكان بالسواد مع تزايد أعدادهم، وقفت أمي وأخوتي على الباب لاستقبالهم، وكلما دخلت واحدة ترفع النقاب، وتبدأ في وصلات التقبيل الرطب من العرق و اللعاب، مع ترديد عبارات العزاء الروتينية.

لم أقف معهم، حيث كنت في المطبخ أقوم بإعداد القهوة.

أُتقن صنع القهوة، خصني والدي بعمل فنجانه الصباحي. يوقظني كل يوم إلحاح المنبّه على صلاة الفجر، لم أكن قادرة على إغلاقه حتى أكمل حلماً لم أعرف نهايته أبداً. طرقات أبي تأتي أعلى من صوت المنبه لتسمع من في القبور. بعد أن أتم صلاة الفجر وأذكار الصباح، أتوجه في حركة آلية إلى المطبخ. أضع ملعقتين كبيرتين من حبات البن، وأحليهما بملعقة ينتصفها السكر ثم أقدمها لأبي بنظرة أرضية.

كان يجلس على هذا المقعد الكبير المقابل لباب المنزل، لا يمكن لأحد منا الجلوس عليه سواء في حضرته أو غيابه. وضعنا مصحف أخضر كبير عليه الآن ليكن أول من يجلس مكان أبي.

أتذكر أبي بجلبابه الأبيض القصير، لحيته الشعثاء تتدلى على صدره. لا يصدر منه إلا صوت مسبحته التي تتوسط أصابعه، يبدو عليه أنه كان دائم التسبيح، ولكني أحياناً كنت أرى أصابعه تكاد تطحن حبات المسبحة من قوة الفرك.

قرر أبي أن يُعلمني وأخواتي الستة، أخبرنا أن آخرنا في التعليم سيكون حتى الصف الثالث الاعدادي، كان دائماً يُذكرنا قائلاً:

_كل هذه العلوم، علوم دنيوية من بدع العلماء الغرب الكفار، أنتم في المدرسة حتى تتعلموا القراءة والكتابة فقط. و بعدها سأبدأ في إعدادكن للزواج.

قرر القدر أن يموت أبي إثر حادث هذا الصباح، بعد إتمامي الصف الثالث الإعدادي.

أحياناً أشعر أن جسدي يغلي في ذلك المكان الضيق التي تفور فيه القهوة. أحمل صينية كبيرة تتراص فيها فناجين بيضاء الجسد بُنية الوجه. كم صار المكان خانقاً، تتحرش به روائح العرق الغليظ. تزيد همهمات الثرثرة بين النساء لدرجة أنها أحياناً تعلو فوق صوت القرآن، تخفت ثم تعلو من جديد. أسير بينهم والمياه تتساقط  ببطء على جسدي المختنق وراء العباءة السوداء. و فجأة يدخل زوج أختي الكبرى، فتَهِّم كل النساء بتغطية وجوههن المعروقة، فعلت مثلهن. ظل واقفاً مع أمي و أنا رأسي يفور من السخونة. كان عليّ الاستمرار في تقديم القهوة، وحين انتهيت أخيراً عدت إلى المطبخ، خلعت قطعة القماش السوداء في زفير خانق، كم أشعر بنفور من نفسي ومن ملابسي التي أرتديها منذ وصلت إلى سن البلوغ...

أطللت برأسي لأرى إن كان زوج أختي موجوداً، وحين رأيت المكان خالياً منه خرجت. وجلست أفكر تُرى هل هو في الجنة؟ هل أحبه الله؟ هل كان الله راضياً عن أبي حين ضربني ذات صباح طلبت منه وأصررت على شراء عباءة ملونة.

أفكر كثيراً قبل النوم، ولكني تلك الليلة سأُكمل حلمي الناقص، سأذهب إليه عند تلك الروضة الخضراء، إنه ينتظرني هناك. تُرى هل سيٌقبلني الليلة؟!... ارتسمت على وجهي ابتسامة لا أعرف من أين أتت، وللأسف لاحظتها أمي رغم انهماكها في البكاء..

القصة نشرت ضمن المجموعة القصصية "قبل أن تهجرنا الملائكة" الصادرة حديثًا عن دار روافد.

loading...
التعليقات