حاتم السروي يكتب: نهاية مواطن مفروس (قصة قصيرة)

 

لم يخطر على بالي أو يدور في خلدي أن تسقط الصورة التي شكلتها في خيالي وأن تفجعنا الحياة فيمن نصبناهم أمثلةً تحتذى..غير أن هذا ما حدث لي مع أخي الأكبر.

كان أخي ولا يزال يعشق الرفاهية ويحرص على التأنق، بالأمس كان يلبس الجينز واليوم أصبح يرتدي البدله وهو ينفق ماله ذات اليمين وذات الشمال غير عابئ بقبيلة الفقراء التي صرت أحد أبنائها منذ أن تم تعييني معلماً في إحدى المدارس الابتدائية..

ما الذي غيره فصار لا يشعر بفقري وحاجتي بل إنه لينفق أمامي المال في سخاء نادر على كل من هب ودب فيما تعكس عيناه فرح بالغ وشعور بالمتعة ولذة لا حدود لها..ترى هل غيره المال الذي صار يجري بين كفيه؟ هل غيرته البدلة التي بات يرتديها والتي لا يني ينظر إليها في زهو واعتزاز؟ ألم يسمع عن ذلك الرجل الذي أعجبته بردته ونعلاه فانخسفت به الأرض؟

غير أني قد ألتمس العذر لأخي عندما أرمق الماضي وأرى كم الحرمان الذي تربينا عليه، أذكر جيداً أن والدي كان يضع الملح على الفول بكثرة حتى تجزع منه نفوسنا فلا نكثر من الطعام!، كما أذكر أنه ذات مرة اقتلع ضرساً مسوساً لأخي بالكماشة حتى يوفر نفقات الدكتور، وماذا يفعل والدي ولا شيء بيديه وليس أمامه سوى أن يجعل الحرص ديناً وديدناً...

أخي أحب أن يشتري تفاحاً، ليته ما اشتراه، نزل من سيارته ثم استقام واقفاً وسار قليلاً حتى وصل إلى ذلك اللص الذي ينتحل شخصية بائع الفاكهة، (أبو هاشم الحرامي) هكذا لقبه الناس في شارعنا إذ يبيع الفاكهة عادةً بأضعاف ثمنها مع أنها دائماً تبدو في حالةٍ يرثى لها.

سأل أخي على الفور:- بكام كيلو التفاح؟

- 17 جنيه

طقطق الفحم في عرقي الصعيدي، صعد الدم إلى يافوخي، 17 جنيه ثمن زيارة يدخل بها أخي على والده، 17 جنيه لو أنفقها مدرس كحيان مثلي لجعل يتأوه شهراً، ووالدي بعد لا يعرف التفاح الأمريكاني، ولا أبالغ لو قلت إنه لا يعرف التفاح إلا لماماً.

صحت مدفوعاً بغِلِّي: كيلو التفاح الأمريكاني بعشرة وبعضهم يبيعه بسبعة - كانت الأسعار وقتها كذلك- غير أن أخي الذي كان على بصيرة بمكمن الخديعة ويعلم يقيناً أن صاحب الفاكهة عازف في جوقة الغشاشين أخرج النقود مبتسماً فخلته يخرج لي لسانه.

عدنا إلى البيت والضجر يكاد يخرج من مسامي، وفوراً دفعني الفضول أن ألتهم التفاح فوجدته مائعاً وليس له طعم، وانتابني سأمٌ لا نهائي فقررت أن أترك أخي يخوض في مجاملاته لأذهب إلى حيث المقهى القريب.

الشيشة بقية من سحر هاروت، آلة عجائبية تدفع الهم باقتدار، أومن أنها عزائي الوحيد، أعترف أنها داء لا أود التخلص منه..حجرين شيشة ما أبدع الوجود.

- يا سيد رصلي حجرين قص هنا وحياة أبوك

- وعندك حجرين قص للباشا

وها قد جاءت الشيشة، وبتولهٍ بالغ شددت أول نفس ولم يخرج شيء، واليته بنفس شديد ولم يخرج شيء، نفخت في اللي حتى يخرج الدخان من الرفاص فصعد الماء سريعاً وأطفأ الفحم.

- يا سيد.. إنت يا زفت

- بس ماتغلطش

- ماغلطش إيه؟ جايبلي الشيشة مكتومة؟

- أهو دا اللي موجود ولو عاجبك

- طبعاً ما يعجبنيش

- يبقى اتفضل مع السلامة بس ادفع الحساب الأول

- وحياة أمك، أنا بقى هاوريك يا ابن المنكوبة

أصبحت لا أرى ولا أسمع وفي محض ثوان وصلت درجة حرارتي إلى خمسمائة فهرنهايت، انهلت عليه ضرباً برجلي وقبضتي وصرت أغمغم: كل حاجه بقت مغشوشة الدنيا كلها بقت غش يا كفرة يا نصابين هتعملوا إيه بالفلوس ديه؟ آخرها فين يعني هه؟ بتغشني يا سيد بتغشني يا ابن ال....

وفي لحظة واحدة تكوم سيد على الأرض، وأحسست أن ثمة صاعقة وقعت فوق أم رأسي، وجعلت أصيح فيه بلهفة: سيد سيد اصحى يا سيد معليش يا سيد...اجتمع الناس حولنا وجعلوا يتصايحون: انت عملت فيه إيه، - يادي الليلة الكوبيا، - اتصلوا بالدكتور قوام.

وحضر الدكتور في سرعة قياسية وأخذ يجس نبضه..ولم يجد فيه نبض....سيد مات....

حكمت المحكمة حضورياً على المتهم محمد خضر العطار بالسجن لمدة سبع سنوات مع الشغل والنفاذ.

loading...
التعليقات