طارق رمضان يكتب: مسرحية "خارج الحيازة" (الحلقة الأولى)‎

 

قاعة الاستقبال بقصر الرئاسة, في أعلي الخلفية صورة ضخمة للرئيس في بذته العسكرية وفي الأسفل منها أريكة وعلي يسار المسرح يجلس ياوران قصر الرئاسة علي مكتبة الفخم علي مدخل باب مهيب مغلق وعلي اليمين باب حمام و نافذة صغيرة, يدخل من يمين المسرح عياد في خطوات هادئة حريصة وبطيئة, في هيئته متواضعة، لكنها ملتزمة برابطة العنق وصديري أسفل جاكيت البدلة ويحمل في يده ملف أوراق..

عياد: (يرفع يده إلي رأسه في أدب جم) مساء الخير

(الياوران ينظر له و يطيل النظر, فيدب القلق في نفس عياد)

الياوران: ساكت ليه

عياد: منتظر حضرتك, تقول لي مساء النور

الياوران: إنت عياد حسن الدبش, المقيم في خمسة شارع البصراوي الدور الخامس في شقة ثلاث غرف وصالة

عياد: (مصححا بأدب) تمام حضرتك, لكنها هي غرفتين وصالة

الياوران: ثلاث غرف وصالة, الساكن اللي قبل منك, فتح أوضتين علي بعض

عياد: ماحدش قالي

الياوران: كله في التقرير, متزوج من السيدة نبيله محمد زكي موظفة بهيئة النظافة ولديك ولد وبنت بالجامعة, ( بإمتعاض) وبتشجع الزمالك

عياد: (وكأنه يدفع عن نفسه التهمة) أنا بحب اللعبة الحلوة مش أكتر والله يا باشا

الياوران: تعاني من أمراض صحية متعددة مما يؤثر علي علاقتك الزوجية والمنشطات مش جايبه معاك نتيجة.

عياد: (بإنكسار) هي مراتي بلغت عني

الياوران: اتفضل قول, إيه شكوتك اللي انت جاي فيها؟

عياد: يعني سيادتك عارف التفاصيل دي كلها ومش عارف شكوتي

الياوران: أحب أسمعك وإنت بتشكي, اشكي

عياد : أنا يا حضرة سعادة الباشا, موظف في مخازن هيئة الكتاب وأسكن في شقة إيجار أنا ومراتي وزي ما حضرتك عارف إنها هي كمان موظفة في هيئة النظافة

الياوران: لكن إيه اللي جمع هيئة الكتاب علي هيئة النظافة

عياد: قصة حب

الياوران: وبدأت منين

عياد: من ماسورة الصرف الصحي

الياوران: نعم!

عياد: ماسورة الصرف الصحي كانت ضربت في مخزن كتب الهيئة والكتب متكومة وماحدش بيقرا, لكن أهي كتب بنطبعها جبر خواطر وصدر قرار بإعدام الكتب اللي غرقت وحرقها و تشكيل لجنة من هيئة الكتاب وهيئة النظافة, عشان نروح مستودع القمامة ونحرق تلال من الكتب التالفة, وكنت أنا والمدام أعضاء باللجنة

الياوران: يعني كان لقائكم الأول في لجنة الحرق

عياد: تمام , وأشرفنا علي إعدام وحرق الكتب, هي ترمي وتحرق رواية قصر الشوق أنا أرمي وأحرق بين القصرين, هي تحرق نظرية داروين، أنا أحرق قصة البؤساء, أرمي لها كتاب شخصية مصر تولع فيه, هي ترمي لي الأيام بتاع طه حسين أرميها في النار, أديها كتاب فقه السنة

الياوران: (يقف ماخوذا) إيه ولعت فيه؟

عياد: لا, مسكته في حضنها, و قالت لي استغفر الله العظيم حرام إلا ده, في اللحظة دي عرفت إنها مؤمنة و بتخاف ربنا واتمسكت بيها أكتر و قلت هي دي اللي ح تجوزها

الياوران: واتجوزتها, ادخل بقي في موضوع الشكوي, اشكي

عياد: وهو أنا جاي أحكي, أنا جاي اقف علي بابكم واشكي وكل ما في الأمر, إن أنا وزوجتي جمعنا قرشين من عرق السنين, وقلنا نشتري حتة أرض نبني عليها بيت والحمد لله اشترينا حته أرض ستين متر

الياوران: ستين متر

عياد: رضا, و ده عقد الأرض (يستخرج من الملف ورقة مبالغ في حجمها) وكمان علي ناصية شارع عرضه ثلاثة متر, و ربنا كرمنا عشان نبدأ في البناء, فجأة طب علينا بتوع الحي وقالوا لي انت بتعمل ايه. قلت لهم أبني في أرضي, قالوا بتبني من غير تصريح, قلت أروح أجيب تصريح, قالوا لي إن الأرض خارج الحيازة. قلت لهم أنا شاريها علي إنها داخل الحيازة, طلعنا الخرايط عشان نشوف حدود الحيازة, نقوم نلاقي إن الستين متر بالظبط علي خط الجول, قصدي علي خط الحيازة يعني البيت واقف علي الخط زي الكورة تمام, و رأي يقول لك دخلت الحيازة ورأي يقولك ما دخلتش, قولت أروح اشتكي في الفيفا

الياوران: الفيفا

عياد: (مستدركا) لا مؤخذه, قلت اروح اشتكي في المحكمة, عشان المحكمة تقول اذا كنت أنا بره الحيازة ولا جوه الحيازة , المحكمة ودت القضية للخبير , و الخبير رجع تاني للخرايط , و الخرايط رجعتنا تاني للخط و راي يقولك بره الحيازة و راي يقولك جوه الحياة و انا عايز استقر , نفسي استقر و ادخل الحيازة

الياوران: والمشكلة من امتي

عياد: من سنين, قام جماعة من المغرضين أهل الشر قالوا لي ما تبني من غير تصريح, قلت لهم ما ينفعش, أنا ما اخرجش عن القانون, والبناء من غير تصريح يعني مش رسمي مش حكومي, يعني عشوائي بره الحيازة , و بره الحيازة يعني مش ح اعرف ادخل ميه عشان اشرب و لا ادخل كهربا عشان انور و لا اخل غاز علشان اطبخ و لا أدخل صرف صحي عشان اعمل حمام او ادخل تليفون عشان النت

الياوران: أو الفيس بوك

عياد: (منفعلا) علي الطلاق ما يدخل بيتي, هو خرب الدنيا غير الفيس بوك

الياوران: انت مواطن شريف يا عياد

عياد: (يرفع يده شاكرا متوددا) سنين يا سعادة البيه من الحي للمحكمة للخبير رايج جاي و في الاخر , فكرت و قلت اروح لمين و اكلمه يدخلني الحيازة , او يقول اني فعلا جوه الحيازة . قلت ما فيش غيره , سيادة الريس , هو ابو الحيازة كلها و كلنا عايشين في حيازته , رحت كاتب الشكوي و ارسلتها لسيادتكم و ان شاء الله تكون مستجابه و يتأشر عليها و تدخلوني الحيازة , مجرد تأشيرة , حياتي كلها رهن تأشيرة , خطة قلم

الياوران: موضوعك اتعرض علي سيادة الرئيس, و طلب مقابلتك. وعرض الشكوي بشخصك

عياد: (مندهشا في انبهار) يا الله . يا الله , مقابلة مين , سيادته, (يشير لنفسه محتقرا) انا , اقابل سيادته , اقابل سيادته , وجها لوجه , و اكلمه من غير حجاب , انا اقابل سيادته . سيادته , انا , انا , و سيادته هو هو , سيادته سيادته , و انا

الياوران: أنت الآن علي قوائم الانتظار

عياد: وكمان علي قايمة الانتظار يا ما شاء الله , انتظر , طبعا انتظر , انا منتظر , انا في انتظار سيادته ( يقف في التزام و صرامة وعلي وجه ابتسامة بلهاء )

الياوران: اتفضل اقعد

عياد: و كمان ح اقعد, ده ايه الرضا ده كله

(تخفت الأضاءة, مع دقات ساعة تشير إلي طول الوقت المنقضي, تعود الإضاءة)

عياد: (يرفع يده في خجل وهو جالسا في انضباط) سيادتك

الياوران: نعم

عيااد: لو تكرمت

الياوران: اطلب

الياوران: ما فيش أي طلبات, أنا بس متتظر من تسع ساعات، هم مش كتير, لكن يعني

الياوران: (بحدة) انتظر

عياد: حاضر, انتظر, طبعا انتظر 

التعليقات