دعاء فتوح تكتب: تابو

المساحات الخضراء، التي تتيحها الأوراق والأقلام قد تخبئ ما لا نتوقع، تحاول كتابة أحلامها المحققة وغير المحققة، ولكنها تجد داخل روحها ثقبًا لا يبحث عن الأحلام، يبحث عما تكون عليه حقا. تحت السطح تتكاثف طبقات من الذوات المختلفة، تكتب فهي بحاجة إلى التواصل مع عالم هناك تحبه وتخشاه في آن، تكتب لتحترم ما هي عليه دون مواربة حتى إن كان في نظرهم مسخا مشوها بالتباس وتشابك الصراع المحتدم بين ذوات مازالت تبحث عن بوصلة تهديها لموطن تناغم تحصل فيه على السلام.

دموع تختلط بالكلمات هي أول ما سكبت روحها على الورقة لتطهر جرحًا غائرًا داخل طفلة تباعد الحكيمة بين ساقيها لتشذب غرائز لابد أن تتفتح (ستفتح عينيها على محرمات من الواجب غلق بابها حتى تظل الصغيرة بريئة) الجرح غائر عميق، عمق الأيام التي مرت وغيرت ملامح وجهها وجسدها، بعد مرور ثلاثة وثلاثين عامًا قضت آخر أربعة أعوام منها زوجة وأم، تكتشف أنها تعاني من هوة ما بين روحها المحبة وجسدها الشحيح الذي يشعرها بالخزي كونه جزء من هوية رسخ في ذهنها الطفولي لحظة التشذيب أن احتياجاته وغرائزه تحط من قدرها وقدر روحها الطيبة، الطيبون يتناسلون دون غرائز. مؤدبون ليس لديهم براكين تتصارع تحت السطح، يمتلكون أجهزة وتراكيب تساعد على استمرارية الحياة، فهم خلفاء الله في أرض وجب عليها البقاء.

رغم عنها تختنق الآن.

.. لا، لن أتراجع، (تقول في نفسها(

أشعل أناملي أحكي لأنير النفق المظلم هناك، أريد الرؤية أجمّع العظام المتكسرة، أشعر ألم الاحتراق، رائحة الشواء تذكرني بفرخ بط قبيح ألف مفهوم الاختلاف والوحدة، التي توجب الاحتماء أكثر بجدران الروح، الروح تصلي تتطهر تجوب ملكوت علوي وتحتقر جسدًا لم ينحت كالمقاييس العالمية للجمال المعلب، جسدا صمم للجنوح عن السائد والمتعارف عليه من حياء يشوه روحي، العالم الذي أعرفه علمني كبح حقي في الارتواء من الخطيئة. أنا لست امرأة العزيز، لن أغوي يوسف، ولكنني أيضا لم أكن البتول.

لا أملك ناصية الحكايات كشهرزاد ولست جارية ذكية من جواري لياليها، هنا في هذا العالم، أنا غير مرئية، لست جزءًا فاعلًا من الحكايات، الحكاية تريد بعض الأحداث المشوقة، القطة التي تسند رأسها عند قدمي الآن تعتقد أنني المقعد، فتسند رأسها إليّ بفعل العادة، فأنا والمقعد قطعة ديكور يجلس فوقها الأبطال الفاعلون في المشهد، بتعاقب الأيام نلقى في (القمامة/ الجبانة) الأمر سواء، مادمنا سعداء بقدرتنا على مشاركة العالم.

كيف نختصر العالم في الكلمات؟

نبعث شرارة التجربة ورائحة احتراقنا داخلها؟

نرسل للعالم إشارة تميز موقع هبوطنا من السماء؟

ولكن، ما هو العالم، هل هو ما نعرف، وهل ما نعرف هو ما نريد؟

هل نطيب مع البوح، أم نفتح على أرواحنا أبوابا لا نهائية من الازدراء وعدم القبول من محيطنا الذي يبدأ من أنفسنا؟

محتجزة داخل صندوق نفسي منذ ولادتي، لا أسمع أحد، وحدي أبحث عن سحر الوحدة، وأسأل بشغف طفلة تريد أن تعرف، هل يحتجز الجميع مثلها؟

لا يوجد أمر مؤكد الآن غير أنني أريد الاحتراق، أكافح لأتواءم مع رائحة الشواء وابتسم لحظة ظفري عظمة جديدة طمرتها مرارة التجارب في ثنايا الروح بين الخوف والجهل والحزن والبراءة، أعتصر اللحظة وانسكب على سطح الورقة المبللة، التي ألقيتها منذ قليل في سلة المهملات، روحي طويت كثيرا بين سطور لم ولن تقرأ من فرط العادية والسذاجة، تمر عليهم فينظرون ويتعجبون ويقتلون الورقة بحثا عن العنقاء، التي ستقوم من رمادها أقوى، إلا أن العنقاء أسطورة أنثوية داخل عقلي تُحرق مثلما تُحرق أناملي هي لم تكن طائرا من قبل لذا لن تتجدد، الوقت ينفذ والأنامل تذوب فتخفت قدرتي على السكب والتمزيق والتكدس وسط النفايات، الدموع لا تطهر الجراح الجديدة فقط تحفر بئرًا عميقة من الحزن.

قصة "تابو" من المجموعة القصصية "يختفي الطوق و يبلي الحذاء ”  الصادرة عن دار نشر "عابر" للكاتبة دعاء فتوح.

loading...
التعليقات