إسلام جمال يكتب: بكرة "قصة قصيرة"

      

من ركن الغرفة فتح التلفاز عينه ناشرا اشاعته، نافخا الروح في ظل الشاب صاحب الغرفة، يبدو في منتصف العشرينات أنفاسه سريعة متلاحقة، وجهه متجهم خال من التعبيرات يغلب عليه اللون الأزرق بفعل الهاتف المحمول في إحدى يديه وباليد الأخرى يجري حوار مع نفسه – صاعدا هابطا – من جملتين سأما من التكرار وظله يقف خلفه يصب عليه اللعنات محاولا كسر الرابطه بينهما ربما يهرب لجسدا آخر يتفاعل مع الحياة كما ينبغي ولا يقضي أغلب وقته يشاهد الدنيا من بعيد.

هكذا استمر كل منهم على حالة لبعض الوقت قبل أن يقاطعهم النبأ العاجل الذي يظهر على شاشة التلفاز المذيعة الشقراء قرأت خبرا بتلهف ثم انهارت في وصله من اللطم والعويل، انكمش الظل في مكانه وهدأ الحوار بين الشاب ونفسه أخيرا تحولت ملامح وجهه الرخامي إلى شئ ربما يشبه الغضب الممزوج بالحيرة، نهض وقدماه لا تقويان على حمله يتبعه ظله الذي ايقن أخيرا أنه لا أمل في الهرب، وأن كل أحلامه قد انقضت بعد هذا الخبر، دخل الغرفة الأخرى وهبش بيديه بوستر معلقا على الحائط تقدم بخطواط مرتعشة ناحية النافذة والقاه على طول ذراعه، ومن قلبه الفارغ من المعنى والحب نبتت صرخة دوت في أركان الحي وارتفعت عاليا لتلاحقها صرخات مماثلة لتملئ فضاء المكان حتى صار العالم في نظرها "."، استقر البوستر على الأرض تحرك الريح بعض أجزاءه المطبقة تطويها مرة وتفردها مره أخرى لتكتمل جملة "سأصير يوما ما أريد".

 

خلف الزجاج الملون يستمر رواد المقهى في إرسال ضحكاتهم المصطنعة الخافتة ليخفوا بها ما يعشش في صدورهم من حيرة لطالما تبارزت الأسئلة بداخلهم لكنهم سرعان ما يقتلوها ويستبدلونها بأجابات معلبة مجهزة خصيصا لمثل هذه المواقف لكن علامات الاستفهام لا زالت مدفونة عميقا ترسل ندائها لمن يسمع أو يحس لم يكن يدرى أحدا منهم أن ما سيحدث بعد قليل سيبعث تلك الاسئله من مرقدها.

على نغمات الشيشة وطرقعات أوراق الدومينو تحرك "على" القهوجي راقصا يوزع المشاريب على الزبائن المبعثرين بطول المكان - في سيمفونية ذات ايقاع منتظم من الفوضى - لا يكترث لما حوله حتى وقعت عيناه على جارهم "أ/حسن" من الوهلة الأولى لم يعرفه، شعره كث ووجهه يخلو منه حمرة الدم كأنه رأى شبحا أو نفذ بأعجوبة من مطاردة كلاب الشارع له، لطالما اهتم بمظهره ولكن قميصه المفتوح وكرشه المتهدل المتصدر للمشهد لا يدلان على ذلك، قال "حسن " بشفتين مرتعشتين: "انتوا قاعدين كده ومش حاسين بالمصيبة".

تفحصته نظرات الجميع، انهمك بعضهم بالسخرية اما الآخرين لم يبالوا وعادو سريعا لما كانوا فيه، لم يمنعه ذلك من الاندفاع إلى باطن المقهى و القبض على ريموت التلفاز لتطفئ ذبذبات صوته البهجة المصطنعة مع انتشارها .. صمت .. الجميع كالأصنام .. تبدل حال رواد المقهى، ها هي علامات الاستفهام تبعث من قبورها، نهض بعضهم وتحرك ناحية الباب، أجسادهم تتحرك دون إرادة منهم كأنهم عرائس ماريونت تخص لاعب ماهر، كل الأشياء فقدت المعنى اليوم، كل الأشياء تتجلى الآن أمام عيونهم الباهتة على حقيقتها.

 

تســـأل الصقر المحلق فوق ميدان التحرير أين رأى الرجل الواقف على سور المبنى ولم يكن يدرى ان الرجل يحادث نفسة قائلا " المكان مناسب قفزة واحده من هنا وهقع اتكسر 300 حته محدش يعرف يلمنى  ياترى اللى بيموت بيحس بالوجع " وقبل ان يطأ الهواء بشهيق او اثنين قاطعه احدهم مخاطبا

-        أ / سعيــــد !! .. مش حضرتك أ/ سعيد الوحش

= ايوة انا زفت ممكن تسيبنى شويه علشان اعرف اركز

- انا بحب حضرتك جدا ومتابع كل فيديوهاتك انت مش متخيل حضرتك غيرت حياتى .. بس انت   بتعمل ايه هنا

= هكون بعمل ايه هنط من هنا

- ليه انتوا بتصوروا فيديو جديد .. هيا فين الكاميرات

= يا جدع انت غبى هى الحجات دى فيها هزار .. هو انت متعرفش اللى حصل

- لا اصلى مش متابع الاخبار بصراحه بعمل بنصيحه حضرتك وبطلت الحجات اللى بتمنعنى عن تحقيق حلمى

= هحكيلك .. يعنى انا خسران ايه المهم مشوفش الابتسامه السمجه اللى فى وشك دى

 

قبل يومين.

حلق الصقر بعيدا عن صخب المكان، في أغلب الاحيان يكون الهدوء مناسبا لسكن هذه الطيور النبيلة لكن تدافع الطلاب أمام قاعة المحاضرات اليوم دفع الهدوء والطيور للهروب بعيدا، كل منهم يمنى نفسه بفرصة الحصول على دعوة لحضور الندوة أو بالأحرى الحصول على نصائح أ/ سعيد الذهبية عن الحياة، لطالما تشاركت أفكار الحضور في النجاح والمظاهر البراقة الأخرى التي تخرس كل من نعتوهم يوما بالكسل والغباء، بحثوا طيلة حياتهم عن شخص يكون قد فهم عن الدنيا ما يعينه على كسب مليون جنيه بكبسة زر أو نقرة أصبع وها هو الآن ينزل من سيارة اعتادوا رؤيتها على أغلفة المجلات فقط، يطأ أسفلت الطريق بحذاء يلزم لأحدهم العمل شهورا ليحصل على ثمنه، يصعد المدرج وسط صمت وإذعان تام من الجمهور ليقترب من الميكروفون – المتلهف أصلا لاتقاط صوته – قائلا: "المستقبل .. كلمه كبيره ممكن يبقى عدوك وممكن يبقى صاحبك .. أنت بس اللي تقدر تحدد لو ركزت أملك وطاقتك في بكرة .. بكرة هو المفتاح اللي هيغيرلك حياتك.. تابعونى النهارده وأنا بحقق حلمي وافتكر دايما أن بكرة" ردد الجمهور ورائه "أحلى" ثم انهاروا في التصفيق والهتاف حتى أن بعضهم لم يتمالك نفسه فبكى، استمرت المحاضرة على هذا النحو قرابة الساعة وقبل أن ينهي أ/ سعيد المحاضرة بوصله تصفيق أو اثنتين اندفع شاب من الباب لاهثا يتصبب عرقا، نظرة عينيه – التي تشبه عيني رواد المقهى – كافية لنشر القلق في القاعة، لم ينطق بكلمة واحدة بل صرخ بأعلى ما فيه من قوة ثم سقط باكيا الأمر الذي دفع الجالسين في الصف الأول للتجمهر حوله، أدرك أ/ سعيد أن جو المحاضرة سيصبح خانقا فهم بالخروج ليجد العشرات ملقون على الأرض حالهم تماما مثل الشاب كلا منهم يحتضن ركبتيه ويبكي كأنه لم يرى يوما سعيدا في حياته، لم يفهم الأمر في بدايته إلا حينما اقترب من تلفاز الكافتريا الملاصقة للقاعة، على الشاشة المذيع يخاطب المتفرجين بتوتر ملحوظ "ومعنا الآن أحد المسئولين للتعليق على الخبر العاجل":

- مساء الخير يا وائل بيه احنا لحد دلوقتى لسه بنتفاوض مع اداره الوقت علشان ترجع تنزل منتج  (بكره ) تانى وانا من خلالك احب اطمن الناس ان ( بكره ) راجع و هيرجع احسن من الاول

= طب وكان ايه سبب منع المنتج من الاول يا فندم

- ادارة الوقت بتقول ان الطلب على المنتج كان كبير جدا ومبقوش يقدروا يلاحقوا عليه .. انت عارف يا وائل بيه احنا ناس سايبنها على ربنا ....

 

على سطح العمارة

- بس يا سيدى ومن ساعتها الناس بتشوفنى تشتمنى وتدعى عليا

= يعنى ايه خلاص كده مفيش بكره

- اه

= يعنى مش هنبقى طول عمرنا اللى بنحلم بيه

- اه

=ولا المستقبل هيتغير على حسب كلامنا و احلامنا

- مقولنا ااااه .. انا غلطان اصلا انى اتكلمت مع واحد مغيب زيك

= بس اكيد فى امل يا أ/ سعيد لا يمكن الموضوع يخلص كده احنا ممكن نغير العالم بأفكارنا ...

- مفيش فايدة

= ... بعلم الطاقة وقانون الجذب نقدر نرجع ...

- فين الحقيقة

= ... الحياة جميلة ...

- الموت اهون من دنيا مزيفة

 

سقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوط

 

التعليقات