سارة الأمين تكتب :لا أحد سالم‎

لا أعرف تحديدا أين ولد أبي، أعرف أنه عاش في صعيد مصر، والفيوم حيث ولدت أنا رغم إنني أنسلخ كثيرا عن هذا لكرهي لثقافة الفلاحين التي أظنها لم تلد لنا سوى بعض الأغنيات، والكثير من الكسل والخداع، وأحيانا أسخط على أمي لأنها تركت بيتنا الوثير في القاهرة لتلدني هناك حيث كان أخيها أشهر طبيب تخدير في تلك المحافظة ولأسباب أخرى لم تسنح لي فرصة معرفتها، لست معتادة على أحاديث الماضي كثيرا، ولكن لكون والده محاميا كان أبي كثير الترحال معه، كنت أتفاخر دائما أنه تعلم في فرنسا، وزار فيينا، وعمل بألمانيا، ومر على إيطاليا، وله في كل تلك البلاد تجارب، لم ينقلها إلي لسبب لا أعلمه، ربما لأنه رآني ساخطة كفاية على مصر التي تشعرني دائما أنني غريبة، بداية من عادتي في ركوب التاكسي دون أذن مسبق منه ودون إخباره عن وجهتي إلا بعد أن أستقر داخل الصالون، وتعجب السائق في كل مرة من هذا، وقولهم جميعا "لا مؤخذة أصل هنا بيقولوا الأول رايحين فين"، مرورا بإصرار على أخذ الباقي حتى وإن كان جنيها واحدا، فمؤسستي لا تمنحني فكة هدية، نهاية بإصرار على مناقشة صانعي القبح الذين يلقون بأكياس "الشيبسي" في الطرقات، فقرر أبي ألا يفتح عيني على أوروبا بحكاياته حتى لا يزيد سخطي ربما، لم أكن أعرف الكثير عن أهلي إلى أن سبني أحدهم بأن "أهلي معرفوش يربوني"، بغض النظر عن تصديقي لهذا الكلام ورأيه في التربية، وظني أنني رفيعة التربية فقط لأنني لا أؤذي أحدا عن عمد وأعتذر إن أخطأت، ففي أعين البعض ما منحني إياه أبي من مساحات كافية بأني تجعلني متحررة بما لا يليق بمصرية عربية مسلمة، رغم أني لا أقوم بما يخالف القانون وهذا ربما يجعلني مواطنة تقترب من الصلاح، ولهذا لم أرد عليه، بل أكتفيت بذكر عائلتي كارهه، كأن لا فخر لي سوى ما صنعه الأسلاف.

تذكرت كل هذا عندما حكت لي صديقة عن هروبها من الصعيد، بسبب رفض أبيها تزويجها رجلا أحبته، فقط لأنه تفاخر بحبه لها على الآذان، ظل السؤال يتردد في عقلي كثيرا، ترى إن كان أبي موظفا عاديا ممن يحملون الجرنال ويرجعوا إلى منازلهم عصرا، ويجبرون بناتهم على الحجاب، والزوج من أقرب عريس مناسب هل سيكون حالي "اريح"، أم كنت سأتمرد كما صديقتي.

ها أنا ذا أصارع في معارك لا يعرف عنها أحد شيء، كمعارك إختيار الأحلام، وإختيار السبل إليها، كدت أجن عندما قررت إختيار لغة جديدة لأتعلمها، رحت أبحث في أعداد المتحدثين بكل اللغات، والفارق بينها وبين لغتي الأم حتى أجيد نطقها، والكتاب من أهل اللغة حتى أعي كم الثقافة الذي سيتثنى لي معرفته مع معرفتها، والبحث عن شريك مناسب، مناسب كما أرى أنا، لا كما يرى المجتمع، معركة التعرف على الهوية، من أنا حقا، ولماذا خلقت، بعض تلك المعارك حقيقي جدا، وبعضها نسجه قلقي الدائم الزائد عن الطبيعي.

لا أعرف تحديدا لما كتبت هذا، ولكني لا أفهم ما يدور بخلدي إلى أن أكتبه وأراه أحرف مصفوفة على الشاشة، ولكن الأكيد أن كل منا تحارب في معاركها الخاصة، معارك اتنين جنية زيادة في المهر، أو معارك في محاكم الأسرة، أو معارك من أجل العمل، أو معارك من أجل ترك الشغل و"إنها تتستت" وتجد من يمنحها مصروفا مقابل الخدمة في المنزل والمضاجعة الحلال في المساء، أو معارك من أجل السفر، أو معارك سببهها الإرهاق وأنها لا تريد أن تصنع طعاما للعشاء اليوم.

نهايته معارك البنات كثير، فلا تزيدوا عليها سخافتكم، كوننا إناث في هذا الوطن كفيل بأن يمنحنا بطاقة مرور خضراء إلى الجنة.

loading...
التعليقات