عزة سلطان تكتب: حجج الغياب

لا أُعاتبك على الغياب فقد أدمنت اختفاءك، أتلفت حولي كلما انتزع أحدهم صفة منك أو ملمح، دبرت حيلة لقلبي، ونسجت حجج للغياب، أنت بعيد، المسافات عبء المحبين، تجاهلت وسائل الاتصال التي أبطلت حِيل الانشغال.

قصصتُ على روحي كل أسانيد الهوى تلك التي بعد أحد شقيها، لكن الحيل لا تفلح وأنت تخرج علي بتحديد موقعك وفي بعض الوقت رِفقتك.

لا يفلح الغياب في طمس معالم الاشتياق، ولا يُجدي الألم، لكنني كامرأة أدمنت الاشتياق بت أصنع حالاتي الخاصة، مقاطع غنائية مهيجة للروح، استدعاء لذاكرة المكان، تفاصيل اهتمام، هدايا متفرقة، صباحات يُجملها ظهورك، دقائق نتقاسمها، استخدم كل ذلك مع قليل من التجاهل لتجاهلك، وكثير من رغبتي في البقاء في مداراتك، مع نار اشتياق متأججة لعشر دقائق أولى ثم لهيب منخفض مستمر لفترة طويلة، لتخرج وجبة عشق تليق بامرأة صارت وطنًا للوحدة.

لكن ثمة ما أزعجني بالأمس لم تكن في المشهد، ولم يكن شخص آخر، نعم نحن النساء قادرات على طهي الطعام وأكله كله حين يغيب الضيف، لم تهن علي حالة الاشتياق، ولم أقو على استكمال رتق فجوات الغياب.

بالأمس كنت أُغني للا أحد، فقط أغني ونغزة شوق في روحي، شوق غير مشفوع باسم رجل ولا صورته.

وجد في المطلق، وكأن سماء العشق ممتدة في روحي، بالأمس لم تكن هنا في روحي ولم يكن غيرك ولم تكن روحي أيضًا هنا.

دق الهاتف مرتين، أراد أن يُسجل عدد مرات أكبر للاتصال، في فترة زمنية قصيرة، بينما أنظر للهاتف أرقب تزايد عدد المكالمات المفقودة، سوف أرسم ابتسامة ساخرة على وجهي، لدينا مفهوم خاطئ يا حبيبي عن الحضور، لا بل لدينا كثير من المفاهيم المغلوطة، أن تكون هنا لا يتجلى في عدد مرات اتصال أعلى في نفس الوقت، وإنما في اتصالات متعددة مع تعدد الزمن حتي وإن تباعدت الفترات.

أنتظر الرسالة التي يُوثق فيها الاهتمام "اتصلت ولا تُجيبي" تزداد الابتسامة، نعم تبدل الموقف الآن، أصبحت أنا المنشغلة، ربما يُفكر الآن في عُشاق محتملين، في لمعة عين ظهرت عبر صورة.

يخبئ الرجال في عقولهم خبرة قديمة "كل النساء عاهرات إلا أمه" يستخرجون ميراثهم في لحظات تقصيرهم ليبرروا ما يقدمون عليها من أفعال قد لا ترضي شريكتهم.

كل النساء عاهرات فيما عدا أمه، لكنها ليست أم رجل آخر، فماذا ستفعل تلك المرأة التي لم تلد ذكورًا؟

أفكر في الأحاديث المختزلة في مكالماتك التي فقدتها، وأقف عند فكرة ظهرت مثل لمبة تنير في أحد رسومات الكوميكس، كل الشتائم الخاصة بالشرف هي للنساء، فقط اثتنين للرجل ومن اتصف بهما كان ذلك إشارة إلى أنه ينتمي للنساء، وفقد رجولته.

لكن هل وقف أحدكم ليفكر أن هؤلاء النساء لا يمارسن الجنس وحدهن، وأن ثمة شريك رجل في الفعل؟

مضت المكالمات الضائعة نحو الماضي، وباتت رسالة التوثيق عمرها أيام، ومحاولة التفقد غائبة مثل حضورك، لديك عشرات الاهتمامات بعضها تشارك فيه نساء أخريات تظهر في عينيك تجاههن نظرات تقدير مبالغ فيهن، فماذا أن أحداهن تلقت هذا العدد من المكالمات المؤكدة للاهتمام؟

أظنني بحاجة لأحد رسامي الكوميكس ليرسم لقطة مكبرة لعيني حزينة، ولقطة أخرى وأنا أجلس على المقعد حولي بطانية سميكة، وثالثة مقسومة قسمين نصفها شعري أشعث أتابع التليفزيون، والنصف الآخر لرجل وسيم تحيط به حسناء/ حسناوات.

يمكن استخدام تلك الرسومات في تأكيد أحقيتك في البعد، فقط تذكر أنها أيضًا تؤكد حقي في الاهتمام من رجل لا يدخر لي الاهتمام لأوقات فراغه، رجل يُجيد الظهور في لحظات الانكسار ليلملم روحي، يمكنه أن يهبني عناق دافئ يتجاوز المسافات.

هل أخبرتك أنه ذات زمن كنت أقع في حب رجل يمكنه أن يعانقني عبر آلاف الأميال، يظهر اسمه على شاشة الهاتف حين يلتوي كاحلي وتبحث يدي عن أي مار في الطريق كي لا أسقط أمام السيارات؟

الأمر يكمن بالداخل، فلا يحتاج الحب إلى الظهور دومًا، بل أن الغياب يزيد الحب صلابة، إذا كان مشفوعًا بوصل جاء متمم للاشتياق.

توقف الهاتف عن الرنين، يبدو أنك اكتفيت بثلاث مكالمات تائهة بيننا، يمكن أخذ سكرين شوت للشاشة لتقدمه دليل لي عند اللقاء المرتجي، فأُجيبك أنني لم أكن هنا لحظة اتصالك، كنت فقط ضائعة في الزمن، أبحث عن يدين تعاوناني على الوقوف لفترة أطول حتى أستيقظ من موتي.

*لمشاركتنا النصوص الإبداعية راسلونا على بريد إلكتروني[email protected]

 
التعليقات