عبدالغفار العوضي يكتب: رعب سري

 

رصاص ذائب :

أول ما تراه العين؛

يظل مغروزا كسكين فى لحم الرحم،

حين خرجت جنينا بعينين بيضاوين

رأيت كل شئ بهيئة جرح عميق

لم يلتئم أبدا

***

أمى تطبخ ما يفيض من عفن المدينة الكبيرة، تضع الورد مع جثث القطط المهجورة التى بلا أسماء داخل طاجنها الفخارى المكسور،

لا تنسى وضع ملح فائض، على رائحة ثياب الجنود العائدين توا كدخان بارود يتلاشى

كعوب البنادق تصلح فقط لإسناد جبين متعب للنوم قليلا،

للحصول على متعة مجانية

قبل الموت.

الأطفال الذين ولدتهم الحرب بلا أعضاء

الأرامل.. الآباء المعلقون من سقوف المؤسسات الحكومية، الذين لا قدرة لهم على الادخار الاستثمارى.. البيوت العتيقة التى انهدمت لأن الأرباح تريد ضخ الدم داخل شرايين جديدة ..الحدائق المتكلسة .مقاعد المتنزهات الحجرية.. البحر الذى يشبه فوضى هائلة داخل حضارة لا تقبل التناقضات.. المهاجرون بلا حقائب لأن أعضاءهم خفيفة؛ يمكن حملها كذاكرة تذوب ببطء مع التواؤم مع فكرة الرعب..

تضع كل شئ داخل طاجنها الكبير الذى يكفى لعائلة كبيرة من الخائفين،

نحن نأكل فى اعتياد كل هذا الخراب

كل يوم

كى نبقى غريزة الجوع

تلتهم خطأ العالم،

بلا شبع.

***

البنت التى أحببتها

كانت بلا وجه

كانت تنظر إلى كل الجهات بعينيها الخفيتين

كان مدهشا ما تراه هى من رعب سرى لا تقدر عينى العمياء على رؤيته

كانت تقودنى بجسدها الكلى على الخوف

العارى تماما من اللحم

الناعم جدا كخرافة

المغوى كشجرة تفاح نسيها الله على عتبة جنة لم يكتمل بناء مغزاها الوجودى

كانت تقودنى بكل قدرتها الغامضة على الحب

لأرى داخلها كل الرعب الذى لم يولد

الرعب من الحياة التى تعوى داخل عتمة البيت

فى اللاوعى المسكون بألم بشر ماتوا فى عصور غابرة

وتركوا لنا أحلاما مؤلمة عن ضرورة إنقاذ الحياة من اللاحياة

الحب الذى يضعنى كجندى أعزل فى مواجهة اليأس

أحببتها

كى أستطيع أن أروض الرعب الهمجى،

كى أستطيع الحصول على لذة

خالية من الخوف.

***

أرى

أرضا حجرية تشبه رحى عجوز تطحن اللحم؛

لتطعم أطفالها، الذين لم يعودوا بعد من رحمها البعيد

تطحن،

لتبقى معدة الأرض

جائعة !

 

 
 
التعليقات