محمد عيد يكتب: عقود وسبايا

 

"متتأخريش النهاردة عشان العريس اللي متقدم لك جاي النهاردة"

 قالتها أمي والابتسامة تغزو وجنتيهيا و عيونها المرصعة بالترقب تراقب ترانيم وجهي

"حاضر"

 إجابة مختصرة مريحة لكل الأطراف – إلا تلك المعترضة دائما -  ضحكت ضحكة مستهترة

" حاضر" مانا قولتلك مش هيسكتوا

 بابتسامة توحي بسخافة كلامها

"وأنا رفضت قبله كتير"

"طب خلاص اللي يريحك."

" تفتكري هتحجج بأيه المرة دي "

، و بنفس الابتسامة السخيفة التي أكرهها  ردت قائلة

" الحجج كتير، بس ليه تتحججي، واحد و هيرحمك من الشغل و القرف اللي أنت فيه ! ؟ "

قلتها بغضب " أنا عارفه اللي ورا الكلام اللي أنتِ بتقوليه دا"

 فكان ردها بكل برود " متتعصبيش كدا أنت عارفه أنا عاوزالك الخير "

 

- "خير ! , هيجي منين الخير , عايزاني اتجوز و اشتغل خدامة و زوجة و كل دا عشان كام جنيه هيرميهم لأهلي , و أربع جدران يلمونا , و بعدين يظهر علي حقيقته , فين الخير في دا "

- " طب ما كل البنات اللي في سنك اتجوزوا و عاشوا حياة جميلة "

ضحكت ضحكة ارتاب منها كل من حولي , إلا أنها لم تترك لي لحظة تفكير تجعلني لا أفعل مثل هذا الفعل الأثم بالشارع

- " حياة جميلة أيه , أنتِ مصدقه نفسك ! "

- " طب ما تحبي حد "

 تلك المرة تمالكت ضحكاتي لأنه من السخيف الرد علي كلماتها تلك , فهي تعلم كل العلم أن الحب ما هو إلا قناعا آخر كالزواج هذه الأيام ليصل الجميع إلي مبتغاهم .

- " طب أيه سكتِ ليه ؟ "

دائما ما تحاول جذبي بهدوء نحو البراكين و من ثم تتركني وحيدة

- " عشان عارفه أخرتها معاكِ , تفتكرِ ورقة مضيناها عند مأذون أو محامي أو أيا كان الشكل الإجتماعي , هتخليه يحترمني كأنثي ! "

 

- " أنت تقدري تخليه يحترمك كأنثي "

اتسائل في كل مرة اتحدث معها لماذا استكمل الحديث في قضايا اغلقت وتم حرق ملفاتها من قبل .

 

- " عارفه أيه الفرق بين الجواز و الشغلانة اللي بنشتغلها دي "

- " الحلال و الحرام يعني ؟ "

 ضحكت مرة أخري , لكن تلك المرة يبدوا أن كل من بالسيارة معي يظنون أنني مجنونة 

- " حلال وحرام أيه يا حبيبتي , المظاهر , المظاهر هي اللي بتخلي دا حلال و دا حرام , تفتكري كل الرجالة اللي جم و هيجولنا مش متجوزين ؟ , ولا فاكرة إنهم كلهم شياطين ماشين علي الأرض , دول بشر عاديين زهقوا من مراتاتهم و جايين يفكوا عن نفسهم شوية , إحنا حاجة كدا زي جواز المتعة , بس من غير عقد "

يبدوا أنها انتهت من جدالي الآن , يمكنني الاستمتاع ببعض الهدوء حتي نصل لوجهتنا , لكن أوجه الناس المتشككة جعلتني اشعر بالغثيان ، " هنزل علي جنب هنا بعد أذنك " , التنقل في وسط البلد يبدوا جميلا في مثل تلك الساعات الأولي من النهار .

لم يأخذ الأمر وقتا طويلا , أخبرت ( شفيقه هانم ) أنني لا  أرغب بالعمل اليوم , رغم تأكيدها عليّ بالأمس أنني يجب أن أكون متواجدة , لرغبة ذلك الرامي فيّ , " للأسف يا مدام و الله مش هقدر , في ظروف " , شرد ذهنها للحظة ثم مدت يدها في شنطه كتفها الفضية اللامعة , التي تعطي لفتسانها الأسود بريقا خاصا , احتضنتني قائلة " و الله يا بت أنت وشك حلو عليا دايما , خدي دول بقي و هستناكي متتأخريش عليا , عشان أنت عارفه سي رامي دا , زي اللي انت سحرتي له , دا كان جلده و قيحه , دلوقتي بيرمي الفلوس تحت رجلي عشانك "

ضحكت بداخلي , كالذي يستفذ تلك المستفذه الآخري , و سرعان ما غادرت لاشتري بضع أشياء قبل عودتي للمنزل .

- "بتضحكي ! , فرحانة بنفسك كدا ؟ "

 بابتسامة واثقة اشرقت قبل ردي عليها

- " و مضحكش ليه , تفتكري لو كان جوزي كان هيبقي كدا ؟ , و لا العكس ؟ , كرم وبعدين بخل , ما هو أتعود , وبقيت في أيده "

- " طب ما التاني دا بكره هيتعود "

- " هيجي غيره "

- " بس أنت كدا رخيصة "

 تلك الكلمة تغضبني بشدة , و هي تعلم ذلك

- " رخيصة ! , الرخيصة هي اللي ترضي إن جوزها يمد إيدها عليها و تسكت , الرخيصة هي اللي تشوف جوزها بيخونها , و لا يشتمها في الشارع و تسكت , الرجاله دول كائنات هشه قوي , أضعف منا , بس عشان الستات بقوا رخاص قوي , بقي اللي يسوي وميسواش يتحكم فيهم "

- " أنت اتعصبتي ليه دلوقتي ؟ "

- " فاكرة ليلي ! , فاكرة كانت مليانه طاقه أد أيه , فاكرة سابت الكلية في سنة تانية عشان مين ؟ , شايفه دلوقتي هي فين , فاكرة لما كنت بغير منها عشان لقت اللي يحبها , و الورد و القلوب اللي ملت صورهم , دلوقتي فين ! , في الزبالة , خدامه زييها زي أي خدامه بندفعلها مرتب , بس حتي الخدامة ممكن تسيب الشغل لو حصل مشكلة , أما الهانم اللي مش خدامه ! , اسكتِ بقي , كفاية ! " .

 

 عدت إلي المنزل بعد صمت تام بيننا لم يجرحه أي محاولة للحديث بيننا

- " حمدا لله ع السلامة "

- " الله يسلمك يا ماما "

- " مالك ؟ "

- " عندي صداع , هخش أريح شوية "

 ربما الشيء الوحيد الذي يبقيني عليك هي تلك السيدة بالخارج , كلما قررت التخلص منك أو عدم الحديث معك في ذلك الموضوع الذي ينتهي جدالنا فيه كل مرة بصمت و اضطرابات و صداع يمتلك رأسي لساعات , رغم وفاة أبي , الذي لا أتذكر منه سوي الألعاب التي أتاني بها عند عودته من السفر , و السواد الذي غزي البيت عند عودة جثته من الخارج , و بعض الكلمات التي تلقيها أمي في حبه وتربيتها لنا أنا و أختي الصغري علي كونه رجل القيم و حبها الأول و الأخير , و كلماتي التي أحبسها بداخلي كالتي تقول ربما لأنه دائم السفر لم يكتشفا مدي العذاب في الزواج , أو ربما كان هو أيضا متعدد العلاقات بالخارج , ربما عملي الحالي لعنة فعله , لكن كل تلك الأفكار تخشي الخروج لأجلها هي فقط ! .

- " اجهزي يالا , العريس علي وصول "

- " حاضر يا ماما أديني عشر دقايق "

- " أمانه عليكي متحبيكيهاش , نفسي أفرح بيكي بقي , أختك الصغيرة أتجوزت و أنت لسه "

- " زهقتي مني بسرعة كدا ؟ "

 تغير وجهها

- " لا خايفه أموت قبل ما أشوفك في بيت عدلك , و لو قلقانه م الفلوس , فخير ربنا كتير , زي ما حوشنا لأختك من مرتبك أنا بحوشلك بقالي سنتين , و داخله جمعيه هقبضها بعد شهر , بس فرحي قلبي بقي "

- " حاضر يا ماما " .

سمعت صوت الجرس , و ترحيب أمي بالضيوف , فتأهبت , توجهت إلي المطبخ  بعدها بدقائق , أختي و زوجها بالداخل مع العريس و أهله , أمي تحضر المشروبات كما اعتدت في كل مرة منذ خطوبة أختي إلي خطوباتي السابقه , أحملها بوجه مبتسم لأري تلك الوجوه الصفراء تبتسم و تعاين ما يمكن معاينة من البضاعة , وجهي كالعادة في الأرض كما الزمتني أمي , أقدم المشروب  لكل شخص فأرفع عيني عندها في وجه , لا أدري ما علاقة ذلك بالأدب , لكن عندها حدث ما ليس متوقع , سٌكب العصير علي العريس , مع ضيق في شعبي الهوائية و شعور بسعال يخنقني , انتفض الجميع يحاولون فهم ما يحدث , هرولت نحوي أمي بكوب من الماء , الجميع يظهر علي وجوههم الدهشه , حتي تلك الماكرة التي خاصمتها منذ الصباح , هدأ السعال , و جلس الجميع مع ابتسامه تعلوا وجههم جميعا , ثم غمز الشاب أمه لتبدأ بدايتها المتوقعه , " ابننا ( رامي ) طالب أيد بنتكم ... "  , حاولت أن أقول الكلمات التي ستقولها بسري كما أفعل دائما مع الشعور بالملل الذي يظهر علي وجهي , لكن تلك المرة لم يكن سوي التعجب , و ابتسامته الغريبة و صوتها الآتي من الأعماق " أوعي توافقي " ! .

التعليقات